أسعار الذهب والفضة تسجل مكاسب محدودة بعد أسبوع عنيف من التقلبات
شهدت أسعار الذهب والفضة استقرارًا نسبيًا مع تسجيل مكاسب محدودة في نهاية الأسبوع، وذلك بعد أيام قاسية اتسمت بتقلبات حادة وخسائر كبيرة في أسواق المعادن النفيسة. وجاء هذا الأداء المتباين في ظل تداخل عوامل جيوسياسية متوترة، وتحركات قوية في الدولار الأميركي، إلى جانب تغير توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
ورغم أن المكاسب الأخيرة منحت الأسواق بعض الهدوء المؤقت، فإن الصورة العامة لا تزال ضبابية، حيث يترقب المستثمرون أي تطورات قد تعيد إشعال التقلبات، سواء على صعيد التوترات في الشرق الأوسط أو من خلال البيانات الاقتصادية الأميركية القادمة.
أداء الذهب بعد أسبوع مليء بالضغوط
أنهى الذهب تداولات الأسبوع على ارتفاع طفيف، بعدما تمكن من الارتداد من أدنى مستوياته في قرابة شهر. ورغم هذا التعافي المحدود، إلا أن المعدن الأصفر فشل في الحفاظ على مستوى 5000 دولار للأونصة، وهو مستوى نفسي وفني بالغ الأهمية للمستثمرين.
الذهب الفوري سجل مكاسب أسبوعية طفيفة، مستفيدًا من عودة الطلب على الملاذات الآمنة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية. إلا أن هذا الدعم لم يكن كافيًا لتعويض الضغوط القوية التي تعرض لها المعدن خلال جلسات سابقة، خاصة مع ارتفاع الدولار الأميركي بشكل لافت.
ويُنظر إلى الذهب تقليديًا باعتباره أداة تحوط ضد المخاطر وعدم اليقين، لكن هذا الدور تعرض لاختبار صعب خلال الأسبوع، مع تفوق تأثير السياسة النقدية والدولار على عوامل الدعم الجيوسياسي.
التوترات الجيوسياسية ودورها في دعم الأسعار
ساهمت التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط في توفير دعم نسبي لأسعار الذهب، خاصة مع المخاوف من اتساع نطاق الصراع بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم انطلاق محادثات دبلوماسية أولية بين الطرفين في سلطنة عمان، فإن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر شديد مع هذه التطورات.
التقارير أشارت إلى أن هذه المحادثات تمثل مرحلة أولى فقط من مسار تفاوضي طويل، دون الخوض في تفاصيل جوهرية في الوقت الراهن. هذا الغموض أبقى احتمالات التصعيد قائمة، وهو ما ساعد في الحد من خسائر الذهب، حتى وإن لم يكن كافيًا لدفعه نحو موجة صعود قوية.
المستثمرون يدركون أن أي انهيار مفاجئ في المسار الدبلوماسي قد يعيد إشعال الطلب على الذهب بسرعة، وهو ما يفسر تمسك شريحة واسعة من المتعاملين بمراكزهم في المعدن الأصفر رغم التقلبات.
الفضة تحت ضغط الخسائر الحادة
على عكس الذهب، عانت الفضة من أسبوع شديد القسوة، حيث سجلت خسائر أسبوعية عميقة بعد موجة بيع عنيفة. ورغم الارتداد المحدود في نهاية الأسبوع، فإن المعدن الأبيض لا يزال بعيدًا عن مستوياته القياسية التي سجلها مؤخرًا.
الفضة تعرضت لهبوط حاد تجاوز في بعض الجلسات 15%، قبل أن تقلص جزءًا من هذه الخسائر. ومع ذلك، فإن الأداء الأسبوعي يعكس ضغوطًا قوية ناتجة عن عمليات جني أرباح مكثفة، إضافة إلى حساسية الفضة المرتفعة لتحركات الدولار والبيانات الاقتصادية.
ويرى محللون أن الفضة تمر حاليًا بمرحلة إعادة تقييم، بعد الارتفاعات القوية التي سجلتها في الأسابيع الماضية، وأن الأسواق تبحث عن مستويات توازن جديدة قبل تحديد الاتجاه التالي.
مستويات فنية حاسمة للفضة
أشار محللون إلى أن النطاق السعري بين 70 و90 دولارًا للأونصة يمثل منطقة استقرار حرجة للفضة في المرحلة الحالية. ويُنظر إلى الحفاظ على التداول فوق هذه المنطقة كعامل أساسي لتجنب تصحيح أعمق قد يدفع الأسعار نحو مستويات أدنى بكثير.
في المقابل، فإن صمود الأسعار ضمن هذا النطاق قد يفتح المجال أمام عودة الزخم الصعودي على المدى المتوسط، خاصة إذا تحسنت شهية المخاطرة أو تراجعت قوة الدولار.
هذا التوازن الدقيق يجعل الفضة واحدة من أكثر المعادن حساسية في الوقت الراهن، حيث يمكن لأي تغير في المعطيات الأساسية أن يدفعها نحو تحركات حادة في أي من الاتجاهين.
البلاتين وبقية المعادن النفيسة
لم تكن الضغوط حكرًا على الذهب والفضة فقط، إذ تعرضت بقية المعادن النفيسة لخسائر ملحوظة. فقد سجل البلاتين تراجعًا أسبوعيًا كبيرًا، مواصلًا سلسلة من الانخفاضات الحادة التي بدأت منذ أسابيع.
البلاتين، الذي يُستخدم على نطاق واسع في الصناعات التحويلية، تأثر بتراجع التوقعات المتعلقة بالنمو الاقتصادي العالمي، إضافة إلى ضعف الطلب الصناعي. هذه العوامل حدّت من قدرته على الاستفادة من أي دعم ناتج عن التوترات الجيوسياسية.
ويرى مراقبون أن تعافي البلاتين قد يتطلب تحسنًا واضحًا في المؤشرات الاقتصادية العالمية، وهو أمر لا يزال غير مؤكد في ظل الضبابية الحالية.
تأثير السياسة النقدية الأميركية
كان للسياسة النقدية الأميركية دور محوري في الضغط على أسواق المعادن النفيسة. فقد أثار ترشيح كيفن وورش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي مخاوف من توجه أقل ميلاً للتيسير النقدي مقارنة بالسياسات السابقة.
هذه التوقعات عززت الدولار الأميركي بشكل قوي، ما شكل عبئًا إضافيًا على الذهب والفضة، نظرًا للعلاقة العكسية التقليدية بين الدولار وأسعار المعادن المقومة به.
ورغم صدور بيانات تشير إلى بعض الضعف في سوق العمل الأميركي، فإنها لم تكن كافية لكبح صعود الدولار، الأمر الذي زاد من الضغوط على المعادن النفيسة خلال الأسبوع.
الدولار الأميركي ومعادلة الضغط
اتجه الدولار لتحقيق أفضل أداء أسبوعي له منذ عدة أشهر، مستفيدًا من إعادة تسعير توقعات أسعار الفائدة الأميركية. هذا الارتفاع القوي قلل من جاذبية الذهب والفضة للمستثمرين من حاملي العملات الأخرى.
قوة الدولار عادة ما تدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه استثماراتهم نحو الأصول المقومة به، وهو ما يفسر جزءًا كبيرًا من موجة البيع التي شهدتها المعادن النفيسة مؤخرًا.
ومع ذلك، فإن أي تراجع محتمل في الدولار خلال الأسابيع المقبلة قد يعيد فتح الباب أمام تعافٍ أوسع في أسعار الذهب والفضة.
نظرة مستقبلية لأسواق المعادن
تظل التوقعات المستقبلية لأسواق المعادن النفيسة مرتبطة بشكل وثيق بتطورات السياسة النقدية والجيوسياسية. فالذهب لا يزال يحتفظ بدوره كملاذ آمن، لكنه يواجه منافسة قوية من الدولار في ظل بيئة أسعار الفائدة المرتفعة.
أما الفضة، فتبقى أكثر تقلبًا، نظرًا لازدواجية دورها كملاذ جزئي وأداة صناعية في الوقت نفسه. هذا يجعلها أكثر عرضة لتحركات حادة مع أي تغير في التوقعات الاقتصادية.
ويرجح محللون أن تستمر حالة التذبذب في المدى القريب، مع احتمالات ظهور فرص استثمارية انتقائية للمستثمرين القادرين على تحمل المخاطر.
هل تمثل المستويات الحالية فرصة استثمارية؟
يرى بعض المستثمرين أن التراجعات الأخيرة قد تمثل فرصة لبناء مراكز تدريجية في الذهب، خاصة إذا استمرت المخاطر الجيوسياسية وبدأ الدولار في فقدان بعض زخمه.
في المقابل، يتعامل آخرون بحذر شديد، مفضلين انتظار إشارات أوضح من مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن مسار السياسة النقدية قبل العودة بقوة إلى أسواق المعادن.
وبين هذا وذاك، يبقى عام 2026 عامًا محوريًا لأسواق السلع، حيث تتقاطع فيه السياسة والاقتصاد والجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق.
سجلت أسعار الذهب والفضة مكاسب محدودة بعد أسبوع عنيف من الخسائر، لكنها لا تزال بعيدة عن استعادة زخمها الصعودي القوي. التوترات الجيوسياسية وفرت دعمًا جزئيًا، بينما شكلت قوة الدولار والسياسة النقدية الأميركية عامل ضغط رئيسي.
المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاه، مع ترقب المستثمرين لأي إشارات جديدة قد ترجح كفة الصعود أو الهبوط. وحتى ذلك الحين، ستبقى أسواق المعادن النفيسة ساحة لتقلبات حادة وفرص استثمارية تتطلب قدرًا عاليًا من الحذر.






















