ارتفاع العقود الآجلة الأميركية وتراجع النفط دون 100 دولار وسط آمال السلام مع إيران
شهدت الأسواق العالمية تحركات ملحوظة خلال تعاملات الأربعاء، حيث ارتفعت العقود الآجلة للأسهم الأميركية، في حين تراجعت أسعار النفط بشكل حاد لتعود دون مستوى 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الذهب وتراجع طفيف في الدولار الأميركي، وذلك وسط تصاعد التوقعات بإمكانية التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وتأتي هذه التحركات في ظل تقارير عن تقديم واشنطن خطة سلام مكونة من 15 نقطة، في محاولة لوقف النزاع الذي استمر قرابة شهر وهدد بإشعال منطقة الشرق الأوسط بالكامل، مع تأثيرات واسعة على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والطاقة.
ارتفاع العقود الآجلة للأسهم الأميركية بدعم آمال التهدئة
سجلت العقود الآجلة للمؤشرات الأميركية ارتفاعًا قويًا خلال التعاملات المبكرة، حيث صعدت عقود مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 495 نقطة، ما يعادل 1.1%، في حين ارتفعت عقود مؤشر S&P 500 بنسبة 1.0%، بينما قفزت عقود ناسداك 100 بنحو 1.2%.
ويأتي هذا الارتفاع بعد جلسة سابقة اتسمت بالتراجع، حيث حاول المستثمرون تقييم احتمالات إنهاء الصراع العسكري بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وإيران من جهة أخرى، وسط استمرار العمليات العسكرية وتصاعد التوترات في المنطقة.
ورغم هذه المكاسب، لا تزال حالة عدم اليقين تسيطر على الأسواق، خاصة مع استمرار تدفق القوات الأميركية إلى الشرق الأوسط، وضغوط بعض الحلفاء في الخليج لمواصلة العمليات العسكرية حتى تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.
من جانب آخر، شككت طهران في التصريحات الأميركية بشأن وجود مفاوضات “قوية”، متهمة واشنطن باستخدام الحديث عن السلام لتهدئة الأسواق المالية، وهو ما يزيد من حالة التقلب وعدم وضوح الرؤية لدى المستثمرين.
مخاوف اقتصادية متزايدة بسبب الحرب
تزايدت مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية المحتملة لاستمرار الحرب، خاصة في ظل بيانات اقتصادية ضعيفة صدرت مؤخرًا من الولايات المتحدة.
فقد أظهر مؤشر مديري المشتريات الأولي الصادر عن S&P Global تراجع النشاط الاقتصادي إلى أدنى مستوى في 11 شهرًا، مع ضغوط متزايدة على النمو نتيجة ارتفاع الأسعار المرتبط بصدمة الطاقة الناتجة عن الحرب.
ولا تقتصر هذه الضغوط على الاقتصاد الأميركي فقط، إذ أشارت بيانات مماثلة في منطقة اليورو إلى مخاطر متزايدة لما يُعرف بـ”الركود التضخمي”، وهو مزيج خطير من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم.
وتعكس هذه المؤشرات حجم القلق الذي يواجه الأسواق العالمية، خاصة في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة وتأثيرها المباشر على سلاسل الإمداد والتضخم العالمي.
تراجع النفط دون 100 دولار مع تصاعد آمال الحل
في المقابل، شهدت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا، حيث انخفضت عقود خام برنت بنحو 6.5% لتصل إلى 97.68 دولار للبرميل، لتتراجع دون المستوى النفسي الهام البالغ 100 دولار.
وجاء هذا التراجع مدفوعًا بتزايد التوقعات بإمكانية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، خاصة مع تقارير تفيد بوساطة دول مثل تركيا ومصر وباكستان لعقد محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران.
كما تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة قدمت خطة سلام شاملة تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز، الذي يعد شريانًا حيويًا لنقل النفط العالمي، بعد أن ظل مغلقًا جزئيًا لأسابيع بسبب النزاع.
وكان إغلاق المضيق قد تسبب في ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد خلال الفترة الماضية، حيث قفزت الأسعار من مستويات قرب 70 دولارًا للبرميل قبل اندلاع الحرب في فبراير إلى ما فوق 100 دولار.
ورغم التراجع الأخير، لا تزال الأسعار مرتفعة مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة، ما يعكس استمرار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على أسواق الطاقة.
الذهب يواصل الصعود بدعم ضعف الدولار
في أسواق المعادن، ارتفعت أسعار الذهب مدعومة بتراجع الدولار وانخفاض أسعار النفط، حيث صعد الذهب الفوري بنسبة 2.0% ليصل إلى 4564 دولارًا للأونصة، بينما قفزت العقود الآجلة الأميركية بنسبة 3.7% إلى 4597 دولارًا.
ويستفيد الذهب عادة من انخفاض الدولار وتراجع عوائد السندات، إذ يعد من الأصول التي لا تدر عائدًا، ما يجعله أكثر جاذبية في بيئة انخفاض العوائد.
كما ساهمت حالة عدم اليقين الجيوسياسي في دعم الطلب على المعدن الأصفر كملاذ آمن، رغم بعض الضغوط الناتجة عن توقعات التهدئة.
وفي تصريحات له، أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن المفاوضات مع إيران “تتقدم”، وأن طهران أصبحت أكثر استعدادًا للتوصل إلى اتفاق، إلا أن التطورات الميدانية لا تزال تشير إلى استمرار القتال.
الدولار يتراجع وسط هدوء نسبي في أسواق العملات
على صعيد العملات، تراجع مؤشر الدولار الأميركي بنسبة 0.2% ليصل إلى 99.21، مع تحسن شهية المخاطرة في الأسواق العالمية.
وشهدت أسواق العملات حالة من الهدوء النسبي بعد فترة من التقلبات الحادة، مدعومة بتصريحات حول تقدم محتمل في المفاوضات مع إيران، ما انعكس إيجابيًا على الأسهم في أوروبا وآسيا.
ومع ذلك، حذر محللون من أن الأسواق لا تزال شديدة الحساسية لأي تطورات جديدة، حيث يمكن لأي خبر سلبي أن يعيد التقلبات بقوة.
وأشار محللو بنك ING إلى أن الرهان على نهاية سريعة للأزمة قد يكون محفوفًا بالمخاطر، خاصة أن إيران قد تسعى لاستغلال ارتفاع أسعار الطاقة كورقة ضغط في المفاوضات.
كما أضافوا أن خطابات مسؤولي البنوك المركزية الأوروبية قد تتجه نحو التشديد النقدي، ما قد يحد من مكاسب الأصول الخطرة خلال الفترة المقبلة.
ترقب نتائج شركة Chewy وتأثيرها على الأسواق
في قطاع الشركات، يترقب المستثمرون نتائج شركة Chewy المتخصصة في تجارة مستلزمات الحيوانات الأليفة عبر الإنترنت، وسط توقعات حذرة بشأن أدائها المالي.
وكان سهم الشركة قد تراجع بأكثر من 29% خلال العام الماضي، ما يزيد من أهمية نتائجها الحالية في تحديد اتجاه السهم خلال الفترة المقبلة.
ويتوقع محللو مورغان ستانلي أن تسجل الشركة إيرادات تبلغ نحو 3.27 مليار دولار خلال الربع الرابع، بما يتماشى مع توقعات السوق، مع تحقيق أرباح قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك بقيمة 171 مليون دولار.
كما يتوقع أن تقدم الشركة توجيهات إيجابية للعام المالي 2026، مع نمو في الإيرادات يتراوح بين 7% و7.5%، وتحسن في هوامش الأرباح.
من جانبها، توقعت مؤسسة Wolfe Research نتائج أفضل قليلًا من التوقعات، مع نمو سنوي للإيرادات بنسبة 0.8%، وهو ما قد يدعم ثقة المستثمرين في السهم.
الأسواق بين التفاؤل والحذر
بشكل عام، تعكس تحركات الأسواق مزيجًا من التفاؤل والحذر، حيث يدعم احتمال التوصل إلى اتفاق سلام شهية المخاطرة، في حين تبقي التوترات المستمرة المستثمرين في حالة ترقب دائم.
ويظل مسار الحرب في الشرق الأوسط العامل الأكثر تأثيرًا على الأسواق في الوقت الحالي، خاصة في ظل تأثيره المباشر على أسعار الطاقة والتضخم العالمي.
كما أن أي تطورات في السياسة النقدية العالمية، خاصة من جانب الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية الأوروبية، قد تلعب دورًا حاسمًا في تحديد اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة.
وفي ظل هذه المعطيات، من المتوقع أن تستمر التقلبات في الأسواق العالمية، مع بقاء المستثمرين في حالة متابعة دقيقة لكل تطور جديد على الساحة الجيوسياسية والاقتصادية.






















