صادرات الغاز الروسي إلى الصين تنمو 25% خلال عام 2025.. مكاسب كبيرة لا تعوض خسارة أوروبا
تتجه صادرات الغاز الروسي إلى الصين عبر خطوط الأنابيب إلى تسجيل نمو لافت خلال 2025، مع توقعات بزيادة تقارب الربع مقارنة بالعام السابق.
هذا التحول ليس مجرد رقم في جداول الطاقة، بل يعكس مساراً استراتيجياً أوسع تسلكه موسكو منذ 2022: إعادة توجيه التدفقات شرقاً، وترسيخ الاعتماد المتبادل مع أكبر مستهلك للطاقة في العالم.
ووفقاً لمصادر مطلعة نقلت عنها وكالة رويترز في 22 ديسمبر/كانون الأول، تتوقع شركة غازبروم أن تصل الإمدادات عبر خط أنابيب
قوة سيبيريا إلى نطاق يتراوح بين 38.6 و38.7 مليار متر مكعب خلال 2025،
مقارنة بنحو 31 مليار متر مكعب في 2024.
ورغم أن هذا المستوى يتجاوز الطاقة السنوية التصميمية المعلنة للخط (38 مليار متر مكعب)، فإنه يظل، وفق حسابات رويترز، غير كافٍ لتعويض أثر خسارة السوق الأوروبية على الإيرادات.
- توقعات صادرات الغاز الروسي إلى الصين عبر الأنابيب في 2025: 38.6 – 38.7 مليار م³.
- صادرات 2024: نحو 31 مليار م³.
- الطاقة السنوية المقررة لخط قوة سيبيريا: 38 مليار م³.
- العقدة الأبرز: سعر الغاز ما زال نقطة تفاوض حساسة.
لماذا يرتفع الغاز الروسي إلى الصين الآن؟
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022 وما تبعها من عقوبات غربية، واجهت روسيا واقعاً جديداً في أسواق الطاقة:
أوروبا—التي كانت يوماً السوق الرئيسية لصادرات الغاز الروسي ومصدراً محورياً للإيرادات—اتجهت إلى تقليص الاعتماد على موسكو تدريجياً،
وتوسيع بدائلها من الغاز الطبيعي المسال والغاز القادم من موردين آخرين.
في المقابل، كانت آسيا، وبالأخص الصين، هي الوجهة الأكثر منطقية لروسيا من زاوية الطلب المستمر، وطموح بكين لتأمين الإمدادات على المدى الطويل.
ومع أن روسيا نجحت بالفعل في إعادة توجيه معظم صادرات النفط إلى الهند والصين، فإن قصة الغاز أكثر تعقيداً.
فالغاز عبر الأنابيب يحتاج إلى بنية تحتية ضخمة واتفاقات طويلة الأجل، ولا يمكن تبديله بالمرونة نفسها التي يتمتع بها النفط أو الغاز الطبيعي المسال.
لذلك يصبح أي توسع في الأنابيب—مثل رفع تدفقات قوة سيبيريا—مؤشراً على تراكم سياسي وتجاري واستثماري استمر سنوات.
قوة سيبيريا.. خط أنابيب يتجاوز دوره الاقتصادي
خط أنابيب قوة سيبيريا يمثل ركيزة استراتيجية للعلاقة الطاقية بين موسكو وبكين.
فبالنسبة لروسيا، هو مسار يخفف جزئياً من أثر فقدان الزبون الأوروبي، ويمنح غازبروم نافذة نمو في سوق ضخمة.
وبالنسبة للصين، يضيف طبقة جديدة من تنويع الإمدادات، ويقلص الاعتماد النسبي على شحنات الغاز الطبيعي المسال التي تتأثر بأسعار الشحن وتقلبات السوق الفورية.
لكن الأهم أن “قوة سيبيريا” ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل هو أداة جيو-اقتصادية تعكس ميزان القوة في التفاوض:
الصين المشترٍ الأكبر، وروسيا البائع الذي يبحث عن أسواق بديلة.
وهذا التباين ينعكس عادة على ملفات التسعير وشروط العقود ومرونة الكميات.
لماذا لا تعوض زيادة الصين خسارة أوروبا؟
رغم أن أرقام 2025 تبدو قوية—نمو 25% وزيادة تتجاوز 7 مليارات متر مكعب تقريباً مقارنة بعام 2024—إلا أن المقارنة مع أوروبا
ليست مجرد مقارنة كميات، بل مقارنة قيمة وتسعير وسياق سوق.
1) الفجوة التاريخية في أحجام التدفقات
قبل 2022، كانت روسيا تصدر إلى أوروبا كميات ضخمة من الغاز عبر شبكة ممتدة من الأنابيب، وكان ذلك يمثل عماداً أساسياً لإيرادات غازبروم والمالية الروسية.
الزيادة إلى نحو 38.6–38.7 مليار متر مكعب للصين، حتى لو كانت قياسية بالنسبة لمسار واحد، لا تعني أن روسيا استعادت الحجم الإجمالي الذي خسرته من أوروبا.
2) التسعير.. القصة التي تحسم الإيراد
في أسواق الطاقة، الإيرادات لا تتبع الكميات فقط.
أوروبا تاريخياً كانت تدفع—في فترات عديدة—أسعاراً أعلى أو شروطاً أكثر ربحية، خاصة في أوقات شح الإمدادات وارتفاع الأسعار.
أما الصين، وباعتبارها مشترياً ضخماً وذا نفوذ تفاوضي قوي، تسعى غالباً إلى صيغ تسعير
أكثر تحفظاً وربطاً بمؤشرات تمنحها استقراراً وتكلفة أقل.
وهنا تبرز “العقبة الرئيسية” التي أشارت إليها المصادر: سعر الغاز الروسي ما يزال ملفاً مفتوحاً أو حساساً.
أي أن الزيادة في التدفقات قد تحدث، لكن تحقيق “قفزة” في الإيرادات يتطلب تسعيراً يدعم هامش الربحية، وهو ما لا تضمنه المعادلة تلقائياً.
3) تكاليف النقل والاستثمارات الرأسمالية
بناء وتشغيل خطوط الأنابيب لمسافات شاسعة في بيئات مناخية قاسية يفرض تكاليف استثمار وصيانة مرتفعة.
وحتى إن كانت البنية الأساسية قائمة، فإن الوصول إلى ذروة التدفق يتطلب أحياناً تعديلات تشغيلية أو توسعات مساندة (ضغط، محطات، شبكات ربط).
هذه التكاليف تضغط على “صافي” العائد مقارنة ببيع الغاز في أسواق قريبة تاريخياً مثل أوروبا.
غازبروم بين واقع جديد وتحديات مرونة السوق
شركة غازبروم كانت لسنوات طويلة أيقونة للنفوذ الطاقي الروسي في أوروبا.
لكن التحول الذي فرضته الجغرافيا السياسية جعل الشركة في مواجهة معضلة مزدوجة:
سوق أقل ربحية نسبياً شرقاً من جهة، وتعقيد التوسع السريع في الغاز من جهة أخرى.
وإذا كانت صادرات النفط وجدت طريقها سريعاً إلى مشترين جدد، فإن الغاز يحتاج إلى زمن أطول لإعادة تشكيل الخارطة.
لذلك تبدو زيادة صادرات الغاز الروسي إلى الصين عبر قوة سيبيريا خطوة مهمة، لكنها أقرب إلى
إعادة تموضع تدريجية لا إلى “تعويض فوري” لخسارة السوق الأوروبية.
العقدة التفاوضية: من يحدد سعر الغاز؟
تسعير الغاز في الصفقات طويلة الأجل غالباً ما يكون مرتبطاً بمعادلات معقدة:
ربط بأسعار النفط أو سلة مؤشرات، أو أسعار الغاز الإقليمية، أو مزيج بين ذلك.
لا توجد صيغة واحدة، لكن هناك قاعدة شبه ثابتة في هذه الحالة:
الصين تملك ورقة قوة لأنها سوق ضخمة وبدائلها متعددة (LNG، منتجون آخرون، إنتاج محلي متنامٍ).
ومن جانبها، تحتاج روسيا إلى إظهار أنها قادرة على بناء مسارات تصدير مستقرة خارج أوروبا.
هذا يجعل ملف السعر ليس مجرد رقم، بل انعكاساً لتوازن تفاوضي قد يحدد شكل العلاقة الطاقية لعقد أو أكثر.
لذلك، حتى مع ارتفاع التدفقات، قد يبقى “العائد” أقل من الطموح الروسي إذا جاء السعر أقل من مستويات كانت توفرها أوروبا سابقاً.
كيف يقرأ السوق هذا الخبر؟
الأسواق عادة تلتقط الرسائل الاستراتيجية قبل التفاصيل الفنية.
خبر نمو صادرات الغاز الروسي إلى الصين بنسبة 25% في 2025 يرسل ثلاث إشارات رئيسية:
- استمرار التحول شرقاً: روسيا تثبت أنها لا تنتظر عودة أوروبا، بل تبني بديلاً ولو تدريجياً.
- تعميق الاعتماد المتبادل: الصين تعزز مصادر الإمداد عبر الأنابيب، ما يقلل حساسية بعض احتياجاتها لتقلبات أسواق LNG.
- بقاء سؤال الربحية: ارتفاع الكميات لا يحسم سؤال الإيرادات طالما التسعير محل تفاوض.
ماذا بعد 2025؟ سيناريوهات محتملة
إذا استمرت التدفقات قرب 38.6–38.7 مليار متر مكعب أو تجاوزت فعلياً الطاقة الاسمية، فقد نشهد عدة مسارات:
سيناريو 1: تثبيت مستويات مرتفعة مع تسعير مستقر
في هذا السيناريو، تستقر الصادرات عند مستويات قريبة من الحد الأقصى التشغيلي، مع اتفاق تسعيري يوفر للصين تكلفة منافسة
ولروسيا هامشاً مقبولاً.
هذا يضمن تدفقات نقدية مستقرة، لكنه لا يعني بالضرورة قفزة ضخمة في الإيرادات مقارنة بعهد أوروبا.
سيناريو 2: تسعير أفضل لروسيا مقابل التزامات أطول
قد تسعى موسكو إلى تحسين السعر عبر تقديم حوافز: عقود أطول، مرونة كميات، أو ربط ببنية تحتية إضافية.
لكن قبول الصين بهذا يعتمد على سوق الطاقة العالمي وحاجتها الفعلية، وعلى بدائلها المتاحة.
سيناريو 3: توسع مشروط ببنية تحتية جديدة
أي زيادة كبيرة تتجاوز قدرة “قوة سيبيريا” قد تتطلب مشاريع إضافية.
وهنا يعود السؤال: هل لدى روسيا القدرة الاستثمارية والوقت والبيئة التمويلية المناسبة لتسريع بناء مسارات جديدة؟ وهل ترى الصين قيمة في ذلك؟
ما الذي يعنيه هذا لأسواق الطاقة عالمياً؟
إعادة توجيه الغاز الروسي إلى آسيا تضيف طبقة جديدة من المنافسة في السوق العالمية، خصوصاً في سوق الغاز الطبيعي المسال.
عندما تحصل الصين على مزيد من الغاز عبر الأنابيب، قد يقل اعتمادها النسبي على بعض شحنات LNG الفورية،
ما قد يغير توازن العرض والطلب في أوقات محددة.
في الوقت نفسه، استمرار ابتعاد أوروبا عن الغاز الروسي يدفع القارة إلى تثبيت عقود LNG بعيدة المدى، وتحسين البنية الأساسية للاستيراد،
وربما دعم التحول إلى الطاقة المتجددة بكثافة أكبر.
والنتيجة أن سوق الغاز العالمي قد يصبح أكثر “تجزؤاً” بين مسارات ثابتة عبر الأنابيب وعقود LNG واعتبارات أمن الطاقة.
كم تبلغ صادرات الغاز الروسي إلى الصين المتوقعة في 2025؟
وفقاً لمصادر مطلعة نقلتها رويترز، تتوقع غازبروم أن تتراوح صادرات الغاز عبر قوة سيبيريا بين 38.6 و38.7 مليار متر مكعب في 2025.
هل تعوض هذه الزيادة خسارة روسيا لسوق الغاز الأوروبية؟
لا بالكامل. حسابات رويترز تشير إلى أن نمو الصادرات إلى الصين لا يعوض الانخفاض في الإيرادات الناتج عن فقدان السوق الأوروبية،
بسبب فروقات الحجم والتسعير وتكاليف البنية التحتية.
ما العقبة الرئيسية أمام مزيد من التوسع؟
واحدة من أبرز العقبات هي تحديد سعر الغاز الروسي في العقود، إذ يظل ملف التسعير نقطة تفاوض حساسة بين الطرفين.
لماذا لا يتم تحويل الغاز بسهولة من أوروبا إلى آسيا؟
الغاز عبر الأنابيب يعتمد على مسارات ثابتة وبنية تحتية محددة، ولا يتمتع بالمرونة نفسها التي يتمتع بها النفط أو الغاز المسال
الذي يمكن شحنه بحراً إلى أسواق متعددة.






















