ارتفاع أسعار الذهب والفضة إلى مستويات قياسية جديدة وسط رهانات خفض الفائدة الأميركية
سجلت أسعار الذهب والفضة قفزات تاريخية خلال تعاملات يوم الاثنين 22 ديسمبر/كانون الأول 2025، لتصل إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق، في موجة صعود قوية تعكس تحولات عميقة في مزاج المستثمرين العالميين، وسط تزايد الرهانات على خفض وشيك لمعدلات الفائدة الأميركية، وتراجع الثقة في الأصول النقدية التقليدية.
وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً ببيانات اقتصادية أميركية أضعف من المتوقع، أظهرت تباطؤاً في وتيرة التضخم وتراجعاً في سوق العمل، ما عزز قناعة الأسواق بأن الاحتياطي الفدرالي قد يبدأ دورة تيسير نقدي جديدة مطلع عام 2026، وربما في اجتماع يناير المقبل.
الذهب يحقق قمة تاريخية جديدة
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنحو 2% ليصل إلى مستوى قياسي غير مسبوق عند 4435.58 دولاراً للأونصة، فيما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب إلى 4432.20 دولاراً للأونصة، في واحدة من أقوى الجلسات الصعودية للمعدن الأصفر خلال العام.
وبهذا الأداء، يكون الذهب قد سجل مكاسب تتجاوز 67% منذ بداية عام 2025، مدفوعاً بمزيج من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، أبرزها تصاعد التوترات التجارية، وتزايد المخاطر الجيوسياسية، إلى جانب الطلب القوي والمستمر من البنوك المركزية حول العالم.
الفضة تتفوق وتواصل الأداء الاستثنائي
لم يكن الذهب وحده نجم المشهد، إذ قفزت أسعار الفضة بأكثر من 3.2% لتسجل مستوى قياسياً جديداً عند 69.29 دولاراً للأونصة، مؤكدة تفوقها اللافت على الذهب من حيث وتيرة الصعود.
ومنذ بداية العام، حققت الفضة مكاسب تتجاوز 125%، مدفوعة بازدواجية الطلب عليها، سواء كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين الاقتصادي، أو كمعدن صناعي أساسي يدخل في صناعات الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة.
بيانات التضخم الأميركية تشعل موجة الصعود
أظهرت البيانات الصادرة عن وزارة العمل الأميركية ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 2.7% على أساس سنوي في نوفمبر/تشرين الثاني، وهو مستوى جاء أقل من توقعات الأسواق التي كانت تشير إلى 3.1%.
هذا التباطؤ في التضخم، بالتزامن مع إشارات ضعف في سوق العمل، أعاد إحياء الرهانات على أن الاحتياطي الفدرالي سيضطر إلى خفض أسعار الفائدة لدعم النمو الاقتصادي، وهو ما يُعد عاملاً داعماً بقوة لأسعار الذهب والفضة.
لماذا تستفيد المعادن النفيسة من خفض الفائدة؟
تميل الأصول التي لا تدر عائداً، مثل الذهب والفضة، إلى الأداء القوي في بيئة معدلات الفائدة المنخفضة، حيث تتراجع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بها مقارنة بالسندات أو الودائع البنكية.
ومع تراجع العوائد الحقيقية على السندات الأميركية، وتزايد المخاوف من تآكل القوة الشرائية للعملات، يعود المستثمرون إلى المعادن النفيسة كأدوات تحوط فعالة ضد التضخم والاضطرابات المالية.
انتعاش واسع في سوق المعادن النفيسة
لم يقتصر الصعود على الذهب والفضة فقط، بل امتد ليشمل باقي المعادن النفيسة، حيث ارتفع البلاتين بنسبة 2.6% ليصل إلى 2028.34 دولاراً للأونصة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أكثر من 17 عاماً.
كما صعد البلاديوم بنحو 3.8% إلى 1772.74 دولاراً للأونصة، وهو أعلى مستوى له منذ قرابة ثلاثة أعوام، مدعوماً بتحسن التوقعات الصناعية وتراجع المعروض.
الطلب من البنوك المركزية يعيد رسم خريطة السوق
يُعد الطلب القوي من البنوك المركزية أحد أبرز المحركات الهيكلية لصعود الذهب خلال العامين الأخيرين، حيث واصلت العديد من الدول، خصوصاً في الأسواق الناشئة، زيادة احتياطياتها من الذهب في محاولة لتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.
ويأتي ذلك في ظل تنامي المخاوف من العجوزات المالية الضخمة في الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا، إلى جانب اليابان والصين.
الذهب يعود كتحوط نقدي عالمي
في هذا السياق، يرى محللون أن الذهب استعاد دوره التاريخي كأداة تحوط نقدية فعالة، مع تراجع الثقة في الأصول الاسمية التقليدية.
وقال ماثيو ماكلينان، رئيس فريق القيمة العالمية في شركة “فيرست إيجل للاستثمارات”، إن القيمة النقدية للذهب “عادت للظهور بقوة”، مشيراً إلى أن المعدن الأصفر بات يُقيّم حالياً عند مستويات أكثر منطقية مقارنة بالمخاطر المالية المتزايدة.
وأضاف أن موجة الصعود لم تقتصر على الذهب وحده، بل امتدت إلى باقي المعادن النفيسة التي استفادت من الرافعة المالية والطلب الاستثماري المتزايد.
هل تستمر موجة الصعود في 2026؟
مع اقتراب عام 2026، تتزايد التوقعات بأن تبقى المعادن النفيسة مدعومة بمجموعة من العوامل، تشمل استمرار التيسير النقدي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتنامي المخاوف بشأن الاستدامة المالية للاقتصادات الكبرى.
ويرى مراقبون أن أي خفض إضافي للفائدة الأميركية، أو تصعيد جديد في النزاعات التجارية والجيوسياسية، قد يدفع الذهب والفضة إلى مستويات قياسية جديدة، رغم احتمالات حدوث تصحيحات قصيرة الأجل.
يعكس الارتفاع القياسي في أسعار الذهب والفضة تحوّلاً واضحاً في سلوك المستثمرين، الذين باتوا يبحثون عن الأمان والتحوط في مواجهة عالم يتسم بارتفاع المخاطر وعدم اليقين.
وبينما تترقب الأسواق قرارات الفدرالي المقبلة، تظل المعادن النفيسة في قلب المشهد الاستثماري العالمي، كملاذ آمن وأداة استراتيجية لإعادة التوازن إلى المحافظ الاستثمارية في مرحلة اقتصادية شديدة التعقيد.






















