أسعار الذهب الفورية مستقرة مع ترقب بيانات التضخم الأمريكية وتطورات حرب إيران
تحركت أسعار الذهب الفورية في نطاق ضيق خلال التداولات الأوروبية اليوم، مع بقاء المستثمرين في حالة ترقب حذر وسط إشارات متضاربة بشأن تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بالتزامن مع انتظار صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي (CPI) لشهر فبراير.
وسجلت أسعار الذهب الفورية مستوى 5,194 دولارًا للأوقية تقريبًا، دون تغير يُذكر، بينما تراجعت العقود الآجلة للذهب بنحو 0.8% لتتداول قرب 5,202 دولار للأوقية. ويأتي هذا الاستقرار بعد موجة تقلبات حادة شهدها المعدن النفيس منذ بداية العام، حيث هبط من ذروة تاريخية قاربت 5,600 دولار للأوقية في أواخر يناير.
أسعار الذهب الفورية بين ضغوط الدولار ومخاطر الجغرافيا السياسية
تواجه أسعار الذهب الفورية معادلة معقدة تجمع بين دعم الملاذ الآمن الناتج عن تصاعد التوترات الجيوسياسية، وضغوط محتملة من ارتفاع الدولار الأمريكي وتوقعات السياسة النقدية الأكثر تشددًا.
ففي حين يُعد الذهب تقليديًا ملاذًا آمنًا خلال فترات عدم اليقين، إلا أن ارتفاع الدولار يزيد من تكلفة شراء المعدن لحائزي العملات الأخرى، مما يحد من مكاسبه. وقد زادت المخاوف في الأسواق من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة، نتيجة الصراع الدائر، إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية – وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي – إلى تبني موقف أكثر تشددًا.
رسائل متضاربة بشأن الحرب مع إيران تزيد تقلبات الأسواق
شهدت الأسواق هذا الأسبوع حالة من التداول المتقلب بعد تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أشار فيها إلى أن الحرب قد تكون قريبة من نهايتها. غير أن التطورات الميدانية لم تؤكد هذا التفاؤل، حيث استمرت الضربات المتبادلة بين الأطراف المعنية، ليدخل الصراع يومه الثاني عشر دون مؤشرات واضحة على التهدئة.
هذا التباين بين التصريحات السياسية والواقع العسكري خلق حالة من الضبابية دفعت المستثمرين إلى تقليص مراكز المخاطرة مؤقتًا، مع الاحتفاظ بتعرض جزئي للذهب كأداة تحوط.
ترقب بيانات التضخم الأمريكية (CPI)
تتجه أنظار الأسواق إلى صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي لشهر فبراير، والتي يُتوقع أن تُظهر استقرار معدل التضخم السنوي العام عند 2.4%، فيما يُرجح أن يبقى التضخم الأساسي عند 2.5%.
ورغم أن القراءة الحالية قد لا تعكس بشكل كامل الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة الناجم عن الحرب، إلا أنها ستوفر إشارات مهمة حول اتجاه الأسعار والضغوط الكامنة في الاقتصاد الأمريكي.
هل يعيد التضخم تشكيل توقعات الفيدرالي؟
إذا جاءت بيانات التضخم أعلى من المتوقع، فقد تعزز التوقعات بإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما قد يدعم الدولار ويضغط على أسعار الذهب الفورية. أما إذا جاءت الأرقام أضعف من التقديرات، فقد ينعكس ذلك إيجابًا على الذهب عبر إضعاف العملة الأمريكية وتعزيز احتمالات خفض الفائدة.
سوق العمل الأمريكي يزيد الصورة تعقيدًا
يأتي تقرير التضخم بعد صدور بيانات الوظائف الأمريكية التي جاءت أضعف من المتوقع، مما أثار تساؤلات حول مدى تباطؤ الاقتصاد الأمريكي. هذا التباين بين تباطؤ محتمل في سوق العمل واستمرار الضغوط التضخمية المحتملة يضع الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة دقيقة.
بالنسبة لأسعار الذهب الفورية، فإن أي إشارات إلى تباطؤ اقتصادي مع تراجع الضغوط السعرية قد تشكل بيئة داعمة للمعدن النفيس.
تأثير أسعار الطاقة على حركة الذهب
لا يمكن فصل تحركات أسعار الذهب الفورية عن مسار أسعار النفط. فقد أدت المخاوف من اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط إلى ارتفاعات حادة في أسعار الخام خلال الأيام الماضية، مما زاد القلق بشأن موجة تضخم جديدة مدفوعة بالطاقة.
في حال استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، قد يعيد ذلك سيناريو “تضخم الركود” إلى الواجهة، وهو وضع تاريخيًا ما كان يدعم الذهب كملاذ آمن طويل الأجل.
تقلبات حادة منذ بداية العام
منذ تسجيلها مستويات قياسية قرب 5,600 دولار للأوقية في يناير، تعرضت أسعار الذهب الفورية لسلسلة من عمليات جني الأرباح والضغوط الناتجة عن تحسن شهية المخاطرة في بعض الفترات. إلا أن استمرار التوترات الجيوسياسية أبقى الذهب فوق حاجز 5,000 دولار، مما يعكس وجود طلب استراتيجي قوي.
المستثمرون المؤسسيون لا يزالون يحتفظون بمراكز كبيرة في الذهب ضمن استراتيجيات التحوط من المخاطر النظامية، خاصة في ظل حالة عدم اليقين العالمية.
هل 2026 عام الذهب من جديد؟
يتساءل العديد من المستثمرين عما إذا كانت أسعار الذهب الفورية ستتمكن من استعادة زخمها القياسي خلال عام 2026. وتعتمد الإجابة على عدة عوامل رئيسية:
- مسار السياسة النقدية الأمريكية.
- استقرار أو تصعيد التوترات في الشرق الأوسط.
- تحركات الدولار الأمريكي.
- اتجاهات الطلب من البنوك المركزية.
وتشير بيانات حديثة إلى استمرار البنوك المركزية في تنويع احتياطاتها بعيدًا عن الدولار، ما يوفر دعمًا هيكليًا طويل الأجل للذهب.
سيناريوهات محتملة لتحركات أسعار الذهب الفورية
السيناريو الصعودي
استمرار التوترات الجيوسياسية، إلى جانب بيانات تضخم معتدلة تسمح للفيدرالي بالتخفيف التدريجي، قد يدفع أسعار الذهب الفورية لاختبار مستويات قياسية جديدة فوق 5,600 دولار.
السيناريو الهبوطي
انحسار الحرب بشكل مفاجئ، مع بيانات تضخم قوية تدفع الفيدرالي لتشديد إضافي، قد يعيد الذهب إلى نطاق 4,800 – 5,000 دولار للأوقية.
تبقى أسعار الذهب الفورية عالقة بين قوتين متعارضتين: دعم الملاذ الآمن من جهة، وضغوط السياسة النقدية والدولار من جهة أخرى. ومع اقتراب صدور بيانات التضخم الأمريكية، قد يشهد السوق تحركات حاسمة تحدد الاتجاه القادم للمعدن النفيس.
في ظل هذه البيئة المتقلبة، يواصل المستثمرون متابعة كل إشارة صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي وكل تطور ميداني في الشرق الأوسط، إذ أصبح كلا العاملين محركين رئيسيين لمسار الذهب خلال عام 2026.






















