تراجع أسعار الذهب مع صعود الدولار وتراجع توقعات خفض الفائدة الأمريكية
تراجعت أسعار الذهب في تعاملات الخميس في الأسواق العالمية، متأثرة بارتفاع الدولار الأمريكي وتراجع توقعات المستثمرين بشأن خفض قريب لأسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وذلك في وقت تتصاعد فيه الضغوط التضخمية نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
ويأتي هذا التراجع في المعدن الأصفر رغم استمرار التوترات الجيوسياسية التي عادة ما تدعم الطلب على الملاذات الآمنة، ما يعكس حالة التوازن المعقد بين قوة الدولار ومخاطر التضخم من جهة، والاضطرابات الجيوسياسية من جهة أخرى.
الذهب يتراجع رغم التوترات الجيوسياسية
سجل الذهب في المعاملات الفورية تراجعاً بنسبة طفيفة بلغت نحو 0.2% ليصل إلى حوالي 5167 دولاراً للأوقية خلال التعاملات الأوروبية، بينما انخفضت العقود الآجلة للذهب تسليم أبريل بنسبة 0.1% لتتداول قرب 5173 دولاراً للأوقية.
ويأتي هذا التراجع بعد موجة ارتفاعات قوية دفعت أسعار الذهب خلال الأسابيع الماضية إلى مستويات تاريخية فوق حاجز 5000 دولار للأوقية، مدفوعة بمزيج من المخاطر الجيوسياسية والتوقعات بخفض أسعار الفائدة العالمية.
إلا أن تحركات الدولار الأمريكي القوية في الآونة الأخيرة بدأت تمثل ضغطاً على المعدن النفيس، خاصة وأن الذهب يتم تسعيره بالدولار، ما يجعله أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يحملون عملات أخرى.
ارتفاع الدولار يضغط على المعدن الأصفر
ارتفع مؤشر الدولار الأمريكي بنحو 0.2% خلال التداولات، وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط على أسعار الذهب. فكلما ارتفعت العملة الأمريكية، أصبح شراء الذهب أكثر تكلفة للمستثمرين خارج الولايات المتحدة، ما يضعف الطلب العالمي على المعدن النفيس.
ويرى محللون أن العلاقة العكسية بين الذهب والدولار عادت لتفرض نفسها بقوة على الأسواق، خاصة في ظل التغيرات الأخيرة في توقعات السياسة النقدية الأمريكية.
وقال نيكولاس فرابيل، رئيس الأسواق المؤسسية العالمية في شركة ABC Refinery، إن قوة الدولار والتوقعات المرتبطة بأسعار الفائدة أصبحت تمثل رياحاً معاكسة لأسعار الذهب، رغم أن التوترات الجيوسياسية ما زالت تدعم الطلب على الأصول الآمنة.
النفط فوق 100 دولار يعيد مخاوف التضخم
بالتوازي مع ذلك، ارتفعت أسعار النفط العالمية لتتجاوز مستوى 100 دولار للبرميل، مدفوعة بتصاعد التوترات في الشرق الأوسط بعد هجمات استهدفت سفناً تجارية ومنشآت نفطية في المنطقة.
وتسببت هذه التطورات في مخاوف متزايدة من حدوث صدمة جديدة في أسواق الطاقة العالمية، قد تكون من بين الأكبر منذ أزمة النفط في سبعينيات القرن الماضي.
كما حذرت إيران من أن أسعار النفط قد ترتفع إلى مستويات تصل إلى 200 دولار للبرميل إذا استمرت الاضطرابات الحالية، وهو ما أثار قلقاً واسعاً في الأسواق العالمية.
تعطل حركة الطاقة في مضيق هرمز
تشير تقارير إلى أن عدداً من ناقلات النفط أصبح عالقاً في مضيق هرمز لأكثر من أسبوع، وهو أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.
كما ذكرت مصادر أن إيران نشرت عدداً من الألغام البحرية في المنطقة، الأمر الذي قد يعقد جهود إعادة فتح هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية.
وتسببت هذه التطورات في قيام بعض المنتجين بتعليق الإنتاج مؤقتاً مع اقتراب مرافق التخزين من الامتلاء، ما يزيد الضغوط على أسواق الطاقة.
تأجيل توقعات خفض الفائدة الأمريكية
في الوقت نفسه، قام بنك جولدمان ساكس بتأجيل توقعاته بشأن خفض أسعار الفائدة الأمريكية، حيث يتوقع الآن أن يبدأ الاحتياطي الفيدرالي أولى خطوات التيسير النقدي في سبتمبر بدلاً من منتصف العام.
كما يتوقع البنك خفضاً آخر بمقدار ربع نقطة مئوية في ديسمبر، وذلك في ظل المخاطر المتزايدة لعودة التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
وتؤثر توقعات الفائدة بشكل مباشر على أسعار الذهب، حيث يؤدي ارتفاع الفائدة أو تأجيل خفضها إلى تقليل جاذبية المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً.
بيانات التضخم الأمريكية تحت المجهر
أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة أن مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة ارتفع بنسبة 0.3% خلال شهر فبراير، متماشياً مع توقعات الأسواق.
كما سجل التضخم السنوي مستوى 2.4%، وهو أيضاً ضمن التوقعات، لكنه يمثل تسارعاً طفيفاً مقارنة بالقراءات السابقة.
وينتظر المستثمرون الآن صدور مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل للاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، والذي من المقرر صدوره يوم الجمعة.
وتحظى هذه البيانات بأهمية كبيرة لأنها قد تحدد مسار السياسة النقدية الأمريكية خلال الأشهر المقبلة.
تحركات المعادن الثمينة الأخرى
على صعيد المعادن الثمينة الأخرى، سجلت الفضة ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.3% لتصل إلى نحو 86 دولاراً للأوقية، مستفيدة من الطلب الصناعي القوي والتوقعات الإيجابية لقطاع الطاقة المتجددة.
كما ارتفع البلاتين بنسبة مماثلة ليصل إلى نحو 2176 دولاراً للأوقية، بينما قفز البلاديوم بنسبة 0.9% ليصل إلى حوالي 1651 دولاراً للأوقية.
وتعكس هذه التحركات استمرار الطلب القوي على المعادن الصناعية المستخدمة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة النظيفة وصناعة السيارات.
هل يستمر الذهب فوق 5000 دولار؟
رغم التراجع الأخير، لا يزال الذهب يتداول بالقرب من مستويات تاريخية مرتفعة فوق 5000 دولار للأوقية، وهو ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
ويرى محللون أن العوامل التي دعمت ارتفاع الذهب خلال الأشهر الماضية ما زالت قائمة، بما في ذلك التوترات الجيوسياسية، ومخاطر التضخم، وتقلبات أسواق الطاقة.
لكن في المقابل، قد يؤدي استمرار قوة الدولار وتأجيل خفض الفائدة الأمريكية إلى الحد من مكاسب المعدن الأصفر على المدى القصير.
نظرة الأسواق للفترة المقبلة
يراقب المستثمرون عن كثب التطورات في الشرق الأوسط، خاصة ما يتعلق بحركة الملاحة في مضيق هرمز وأسواق النفط العالمية، لما لها من تأثير مباشر على التضخم العالمي.
كما ستلعب البيانات الاقتصادية الأمريكية القادمة دوراً محورياً في تحديد اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة، خصوصاً مؤشرات التضخم وسوق العمل.
وفي ظل هذا المزيج من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، من المتوقع أن تبقى أسعار الذهب شديدة الحساسية لأي تطورات جديدة في الأسواق العالمية.






















