مورجان ستانلي يفسر تراجع الذهب رغم تصاعد التوترات مع إيران
رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط واستمرار المواجهة بين إيران وإسرائيل، شهدت أسعار الذهب أداءً متباينًا في الأسواق العالمية خلال الأيام الأخيرة، في تطور فاجأ العديد من المستثمرين الذين كانوا يتوقعون ارتفاعًا قويًا للمعدن النفيس باعتباره ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات.
لكن محللين في بنك مورجان ستانلي أوضحوا أن تراجع الذهب في هذه المرحلة لا يعكس ضعف الطلب على الملاذات الآمنة بقدر ما يعكس مجموعة معقدة من العوامل الاقتصادية والمالية، أبرزها قوة الدولار الأمريكي، وتحركات السيولة في الأسواق العالمية، بالإضافة إلى توقعات السياسة النقدية الأمريكية.
قوة الدولار تضغط على أسعار الذهب
وفقًا لمذكرة بحثية صادرة عن فريق استراتيجي السلع في مورجان ستانلي بقيادة المحللة إيمي جاور، فإن أحد أهم العوامل التي أثرت على أداء الذهب مؤخرًا هو الارتفاع النسبي في قيمة الدولار الأمريكي.
عادةً ما يتحرك الذهب والدولار في اتجاهين متعاكسين، إذ يؤدي ارتفاع العملة الأمريكية إلى جعل الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين الذين يستخدمون عملات أخرى، ما يقلل الطلب العالمي على المعدن النفيس.
وأشار محللو البنك إلى أن قوة الدولار في الفترة الأخيرة جاءت مدفوعة بعدة عوامل، من بينها التدفقات نحو الأصول الأمريكية، والطلب على السيولة بالدولار في ظل حالة عدم اليقين العالمية.
التوترات الجيوسياسية عادة تدعم الذهب
تاريخيًا، تميل أسعار الذهب إلى الارتفاع خلال فترات التوترات الجيوسياسية أو الأزمات الاقتصادية، حيث يلجأ المستثمرون إلى الأصول الآمنة للحفاظ على قيمة أموالهم.
وفي هذا السياق، قال محللو مورجان ستانلي إن عدم ارتفاع الذهب بشكل قوي رغم تصاعد التوترات في الشرق الأوسط يعد ظاهرة مؤقتة إلى حد كبير.
وأضافوا أن الأسواق تمر حاليًا بمرحلة إعادة توازن بين عدة عوامل، تشمل السياسة النقدية، وتحركات العملات، والطلب على السيولة، وهو ما أدى إلى تقلبات غير معتادة في أداء الذهب.
السيولة عامل مهم في تحركات الذهب
أحد التفسيرات الرئيسية التي قدمها البنك هو أن بعض المستثمرين قد يضطرون في أوقات التوتر الشديد إلى بيع جزء من حيازاتهم من الذهب من أجل توفير السيولة النقدية.
وفي فترات اضطراب الأسواق، قد يبيع المستثمرون حتى الأصول الآمنة لتغطية خسائر في أماكن أخرى أو لتلبية متطلبات الهامش في الأسواق المالية.
وقال محللو مورجان ستانلي إن هذا النوع من عمليات البيع لا يعكس تغيرًا في النظرة الأساسية للذهب، بل هو تحرك مؤقت مرتبط بإدارة السيولة في الأسواق.
توقعات بخفض الفائدة الأمريكية
توقعات السياسة النقدية الأمريكية تعد أيضًا من العوامل الرئيسية المؤثرة في أسعار الذهب.
فالذهب لا يدر عائدًا مثل السندات، لذلك يميل إلى الأداء بشكل أفضل عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة أو عندما يتوقع المستثمرون خفضها.
ويرى محللو مورجان ستانلي أن توقعات خفض أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة المقبلة قد تعود لدعم أسعار الذهب في نهاية المطاف.
وفي حال بدأت الفائدة الأمريكية في التراجع، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض الدولار وزيادة جاذبية الذهب كأداة للتحوط ضد التضخم وعدم اليقين الاقتصادي.
توقعات بوصول الذهب إلى 5700 دولار
على الرغم من التقلبات الحالية، يظل مورجان ستانلي متفائلًا بشأن مستقبل الذهب على المدى المتوسط.
ويتوقع البنك أن ترتفع أسعار الذهب لتصل إلى نحو 5700 دولار للأوقية خلال النصف الثاني من العام إذا استمرت التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عند مستويات مرتفعة.
ويرى المحللون أن استمرار عدم الاستقرار الجيوسياسي عادة ما يدعم الطلب على الذهب سواء من قبل المستثمرين أو البنوك المركزية.
دور البنوك المركزية في دعم الطلب
الطلب من البنوك المركزية كان أحد أبرز العوامل التي دعمت أسعار الذهب في السنوات الأخيرة.
فخلال عام 2022 وحده، اشترت البنوك المركزية حول العالم نحو 400 طن من الذهب، وكان نحو 90 طنًا منها من نصيب البنوك المركزية في الشرق الأوسط.
ويعكس هذا الاتجاه رغبة العديد من الدول في تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الدولار والأصول التقليدية.
كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى زيادة الإيرادات الحكومية في الدول المنتجة للطاقة، وهو ما قد يترجم إلى زيادة مشتريات الذهب ضمن الاحتياطيات الرسمية.
تأثير أسواق الطاقة على الذهب
التوترات الحالية في الشرق الأوسط أثرت بشكل مباشر على أسواق النفط، حيث أدت المخاوف بشأن الإمدادات إلى ارتفاع أسعار الخام في بعض الفترات.
ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي بدوره إلى زيادة الضغوط التضخمية عالميًا، وهو عامل يدعم الذهب عادة باعتباره أداة للتحوط ضد التضخم.
ولهذا السبب يرى بعض المحللين أن الذهب قد يستفيد بشكل غير مباشر من استمرار التوترات الجيوسياسية عبر تأثيرها على أسواق الطاقة.
دبي مركز رئيسي لتجارة الذهب
أشار تقرير مورجان ستانلي أيضًا إلى الدور الكبير الذي تلعبه دبي في تجارة الذهب العالمية.
حيث يمر نحو 20% من تدفقات الذهب العالمية عبر الإمارة، ما يجعلها ثاني أكبر مركز لتصدير الذهب بعد سويسرا.
وتعد دبي مركزًا رئيسيًا لتجارة السبائك والمجوهرات، كما أنها تلعب دورًا مهمًا في حركة الذهب بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
تقلبات قصيرة الأجل لكن الاتجاه صاعد
بشكل عام، يرى محللو مورجان ستانلي أن الأداء الضعيف للذهب في الفترة الأخيرة قد يكون مجرد مرحلة مؤقتة ضمن اتجاه صعودي طويل الأجل.
فمع استمرار المخاطر الجيوسياسية، واحتمالات خفض الفائدة الأمريكية، واستمرار الطلب من البنوك المركزية، تبقى العوامل الأساسية داعمة لارتفاع أسعار الذهب على المدى المتوسط والبعيد.
ولهذا السبب، يتوقع العديد من المحللين أن يستعيد الذهب زخمه في الأشهر المقبلة، خاصة إذا استمرت حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل الذهب أحد أهم الأصول التي يراقبها المستثمرون حول العالم، سواء كأداة للتحوط من المخاطر أو كفرصة استثمارية في أوقات التقلبات الاقتصادية والسياسية.






















