قفزة الفضة 150% وصعود الذهب 64% يختتمان عاماً تاريخياً للمعادن النفيسة
رغم التراجعات الحادة التي شهدتها أسعار المعادن النفيسة خلال الأيام الأخيرة من عام 2025، تتجه كل من الفضة والذهب لإنهاء العام على مكاسب سنوية استثنائية، في واحد من أكثر الأعوام “التاريخية” لهذا القطاع، وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي.
وتأتي هذه المكاسب الكبيرة بعد شهور من الطلب القوي على الملاذات الآمنة، مدعوماً أيضاً بعوامل تتعلق بالعرض والطلب، ومشتريات البنوك المركزية، إضافة إلى زخم صناعي قوي خصوصاً للفضة.
الفضة تتفوق: مكاسب سنوية تقارب 150% رغم التصحيح الأخير
بحسب البيانات المتاحة حتى نهاية ديسمبر، ارتفعت أسعار الفضة الفورية بنحو 150% خلال 2025، لتتفوق على مؤشرات أسهم عالمية كبرى وعدد من العملات الرئيسية. وتمكنت الفضة من تجاوز مستوى 80 دولاراً للأونصة في أواخر ديسمبر للمرة الأولى، قبل أن تتعرض لموجة تصحيح قوية في الأيام التالية لتتراجع حالياً قرب 71.80 دولاراً.
ويعكس هذا الأداء الاستثنائي تحولاً واضحاً في تسعير الفضة بوصفها معدنًا يجمع بين سمة “الملاذ الآمن” وسمة “المعدن الصناعي” في آنٍ واحد، ما يجعلها أكثر حساسية لتغيرات المشهد الاقتصادي والسياسي مقارنة بالذهب.
لماذا ارتفعت الفضة بهذه القوة؟
أبرز ما دعم صعود الفضة خلال العام كان مزيجاً من العوامل الهيكلية والظرفية، أهمها:
أولاً: إدراج الفضة ضمن المعادن المصنفة كـمعدن حيوي في الولايات المتحدة، ما عزز النظرة الاستراتيجية للطلب عليها ضمن سلاسل الإمداد الصناعية.
ثانياً: استمرار قيود المعروض وتراجع وتيرة الإمدادات من بعض المناجم، ما ساهم في تضييق الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك.
ثالثاً: الحديث المتكرر عن انخفاض المخزونات إلى مستويات تاريخياً محدودة، وهو عامل عادة ما يرفع علاوة المخاطر في التسعير.
رابعاً: الطلب الصناعي القوي، خاصة مع توسع قطاعات الطاقة المتجددة والتقنيات الكهربائية، ما يدعم استهلاك الفضة في تطبيقات متعددة.
الذهب يحقق 64% في عام قياسي بدعم مشتريات البنوك المركزية
على الجانب الآخر، صعدت أسعار الذهب الفورية بنحو 64% خلال 2025، مسجلة مستويات قياسية متتالية. ورغم تراجع الذهب في الجلسات الأخيرة من مستويات تجاوزت 4,500 دولار للأونصة، فإنه لا يزال يتداول فوق 4,300 دولار مع اقتراب نهاية العام.
وتبرز قوة الذهب في 2025 باعتباره “مؤشر خوف” يعكس توترات الأسواق وتراجع الثقة في بعض الأصول عالية المخاطر، إضافة إلى استمرار البنوك المركزية في تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر.
عوامل صعود الذهب خلال 2025
اعتمد الاتجاه الصاعد للذهب على مجموعة من الدوافع المتداخلة، أبرزها:
مشتريات البنوك المركزية: والتي لعبت دوراً محورياً في توفير طلب طويل الأجل ودعم الأسعار خلال فترات التقلب.
الإقبال على الملاذات الآمنة: مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتزايد مخاوف تباطؤ النمو العالمي.
التموضع الدفاعي للمستثمرين: حيث اتجهت محافظ عديدة إلى زيادة التعرض للأصول “الصلبة” والتحوط ضد المفاجآت.
عوامل نقدية ومالية: تشمل رهانات على تيسير السياسة النقدية لاحقاً، وتذبذب العوائد الحقيقية، وتأثير قوة/ضعف الدولار في فترات مختلفة.
التصحيح نهاية العام: جني أرباح أم تغيير اتجاه؟
التراجعات التي شهدتها الفضة والذهب في نهاية ديسمبر تُقرأ غالباً ضمن سياق جني الأرباح وإعادة توازن المحافظ مع إغلاق العام، خصوصاً بعد موجة صعود سريعة دفعت الأسعار إلى قمم تاريخية. كما أن الارتفاعات الكبيرة عادة ما تفتح الباب لتحركات تصحيحية طبيعية، خاصة عندما تتزامن مع انخفاض السيولة في عطلات نهاية العام.
لكن في المقابل، يرى محللون أن كثيراً من العوامل التي دعمت صعود المعادن في 2025 قد تمتد إلى 2026، ما قد يحد من عمق التصحيح إذا عادت موجات التوتر أو استمرت الضبابية الاقتصادية.
توقعات 2026: HSBC ترى الذهب عند 5,000 دولار للأونصة
في مذكرة صدرت خلال أكتوبر، رفع محللو HSBC توقعاتهم لأسعار الذهب في 2026، مشيرين إلى إمكانية وصوله إلى 5,000 دولار للأونصة في ظل استمرار حالة عدم اليقين الواسعة. ويعكس هذا السيناريو نظرة مفادها أن المخاطر الجيوسياسية والتذبذب الاقتصادي قد يواصلان دفع المستثمرين نحو الذهب كتحوط رئيسي.
كما تتجه الأنظار إلى مسار أسعار الفائدة عالمياً، واتجاهات التضخم، وحركة الدولار، باعتبارها عوامل قد ترفع أو تقلص شهية المستثمرين للذهب خلال العام المقبل.
معادن أخرى على خط المكاسب: النحاس والبلاتين والبلاديوم
وبعيداً عن الذهب والفضة، تشير التقديرات إلى أن معادن أخرى مثل النحاس والبلاتين والبلاديوم تتجه أيضاً نحو مكاسب سنوية قوية، مدعومة بالطلب الصناعي والتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والبنية التحتية الكهربائية.
وبينما يظل الذهب مرتبطاً بشكل أكبر بالسياسة النقدية والمخاطر، تبقى المعادن الصناعية أكثر ارتباطاً بدورة النمو العالمي والإنفاق على البنية التحتية، ما يجعل عام 2026 مفتوحاً على سيناريوهات متعددة وفقاً لمسار الاقتصاد العالمي.
2025 عام تاريخي للمعادن النفيسة
يمكن تلخيص 2025 باعتباره عاماً أعاد تثبيت مكانة المعادن النفيسة في قلب المشهد الاستثماري العالمي، حيث جمعت الأسواق بين مكاسب قياسية وتقلبات حادة، وبرزت الفضة كأكثر المعادن إثارة للانتباه، بينما حافظ الذهب على دوره التقليدي كملاذ رئيسي في أوقات الاضطراب.
ومع دخول 2026، ستظل أعين المستثمرين على مؤشرات السياسة النقدية، ومستويات المخزونات، واتجاهات الطلب الصناعي، ودرجة المخاطر الجيوسياسية، لمعرفة ما إذا كانت موجة الصعود ستستمر، أم أن الأسواق ستتجه إلى مرحلة إعادة تسعير أعمق بعد عام استثنائي.






















