توقعات الدولار الأمريكي بعد حرب إيران: لماذا يرى خبراء الفوركس أن الصعود قد لا يستمر؟
افتتاحية ثابتة: في هذا التقرير نقدم قراءة سريعة وواضحة لأبرز ما تحرك الأسواق اليوم، مع تلخيص أهم الأرقام والسيناريوهات المتوقعة بلغة عربية سهلة وجاهزة للنشر.
بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب المرتبطة بإيران، سجّل الدولار الأمريكي ارتدادًا ملحوظًا أمام سلة من العملات الرئيسية.
لكن المفارقة أن كثيرًا من استراتيجيي العملات الأجنبية لا يرون في هذا الارتفاع بداية موجة صعود طويلة،
بل يعتبرونه حركة قصيرة العمر نتجت بالأساس عن تغطية مراكز البيع المكشوفة وصدمة أسعار النفط، لا عن “هروب تقليدي إلى الملاذات الآمنة”.
هذه الخلاصة جاءت في استطلاع شهري أجرته رويترز شمل عشرات المحللين والمتخصصين في أسواق الصرف.
تتزايد أهمية توقعات الدولار الأمريكي في المرحلة الحالية لأن السوق لا يتحرك بعامل واحد فقط.
فإلى جانب الحرب وتداعياتها على الطاقة والتضخم، هناك ملف الرسوم الجمركية الأمريكية،
وأسئلة مستمرة حول استقلالية السياسة النقدية، ومسار النمو وسوق العمل في الولايات المتحدة.
ووسط هذا التشابك، يحاول المستثمرون تحديد: هل ارتداد الدولار مجرد “تنفّس” بعد موجة هبوط طويلة؟ أم أنه استعادة فعلية لدور الملاذ الآمن؟
الخلاصة السريعة: ارتفاع الدولار منذ بدء الحرب قد يكون مؤقتًا، بينما لا تزال غالبية التوقعات تميل إلى ضعف تدريجي للعملة الأمريكية خلال الأشهر المقبلة، مع بقاء ترجيحات خفض الفائدة لاحقًا هذا العام وارتفاع عدم اليقين في الأسواق.
لماذا ارتفع الدولار الآن رغم أن الاتجاه العام كان هبوطيًا؟
قبل اندلاع الحرب، كان تموضع المتداولين يميل إلى الرهان على ضعف الدولار.
وبحسب ما ورد في الاستطلاع، كان المستثمرون “قصيري الدولار” منذ ديسمبر، أي أنهم يحتفظون بمراكز تستفيد من تراجع العملة الأمريكية.
ومنذ بداية 2025، كان الدولار منخفضًا بنحو 12% مقابل سلة عملات، وهو رقم كبير يعكس مزاجًا عامًا سلبيًا تجاه العملة الأمريكية.
لكن مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار النفط، حدثت موجة “إعادة تمركز”.
ارتفع الدولار بنحو 1.5% منذ يوم الإثنين، ويُعزى جزء معتبر من ذلك إلى تغطية مراكز البيع.
حين تتكدس المراكز على اتجاه واحد، تكفي صدمة مثل قفزة النفط أو تغير مفاجئ في تسعير الفائدة لتحريك السوق بسرعة في الاتجاه المعاكس.
تغطية المراكز: قوة دفع سريعة لكنها ليست اتجاهًا دائمًا
تغطية المراكز القصيرة تعني أن المتداولين الذين باعوا الدولار على المكشوف يضطرون للشراء لإغلاق مراكزهم،
ما يخلق طلبًا إضافيًا ويؤدي إلى ارتفاع سريع.
لكن هذه الحركة قد تفقد زخمها بمجرد انتهاء موجة الإغلاق، خصوصًا إذا لم تظهر عوامل أساسية جديدة تدعم الدولار لفترة أطول.
لهذا السبب تكرر في استطلاع رويترز أن الارتفاع الأخير ليس “رحلة آمنة” تقليدية بقدر ما هو تصحيح مرتبط بالتموضع.
هل فقد الدولار جزءًا من بريق “الملاذ الآمن”؟
واحدة من أهم رسائل الاستطلاع هي أن بعض الخبراء باتوا يتساءلون عن متانة “الملاذ الآمن” للدولار والأصول الأمريكية.
تاريخيًا، مع تصاعد المخاطر العالمية كانت الأموال تتجه إلى الدولار والسندات الأمريكية.
لكن هذا الأسبوع، ومع أن الأسهم العالمية تعرضت لضغوط، أشار الاستطلاع إلى أن سندات الخزانة الأمريكية لم تتفوق كما اعتاد السوق،
في حين تراجعت أسعار الذهب (رغم أنها لا تزال مرتفعة بنحو 20% منذ بداية العام).
هذا السلوك المختلط يفتح الباب أمام تفسيرين:
الأول أن المستثمرين لا يرون في الأصول الأمريكية درعًا كاملًا كما في السابق، خصوصًا في ظل الجدل السياسي والاقتصادي.
والثاني أن الارتداد الحالي في الدولار “فني” أكثر منه “أساسي”، أي أنه ناتج عن إغلاق المراكز وليس عن تدفق ملاذات طويل الأجل.
مخاوف الاستقلالية النقدية تعود للواجهة
أشار الاستطلاع إلى أن مخاوف استقلالية البنك المركزي الأمريكي لم تختف تمامًا،
وأنها هدأت جزئيًا فقط بعد أخبار ترشيح كيفن وورش ليكون رئيسًا قادمًا للاحتياطي الفيدرالي.
مثل هذه القضايا قد لا تُحرك السعر يومًا بيوم، لكنها تؤثر في “سردية السوق” حول الثقة طويلة الأجل،
وبالتالي تلعب دورًا في توقعات الدولار الأمريكي عبر أشهر لا عبر ساعات.
الفيدرالي: لماذا لم يعد خفض يونيو مُسعّرًا؟
في نقطة محورية، ذكر الاستطلاع أن العقود الآجلة للفائدة لم تعد تُسعّر خفضًا في يونيو.
هذا التطور وحده قادر على دعم الدولار على المدى القريب،
لأن توقعات أسعار الفائدة الأعلى تعني عائدًا أفضل على الأصول المقومة بالدولار، ما يجذب الطلب على العملة الأمريكية.
لكن في المقابل، لا تزال الأسواق تتوقع تقريبًا خفضين للفائدة قبل نهاية العام.
وهذه التوقعات، إن ظلت قائمة أو تعززت، قد تعيد الضغط على الدولار مع مرور الوقت،
لأن خفض الفائدة يميل عادة إلى تقليل جاذبية العملة مقارنة بعملات أخرى أو أصول بديلة.
ما الذي يعنيه ذلك للمستثمر العادي؟
ببساطة: الدولار قد يحافظ على دعم “تكتيكي” لأسابيع إذا استمر تراجع احتمالات خفض قريب مثل يونيو،
لكن أي عودة قوية لتسعير خفض الفائدة أو تدهور بيانات الاقتصاد الأمريكي قد يعيد السردية إلى نقطة: “الدولار في مسار هبوطي أوسع”.
وهذا يتوافق مع موقف غالبية خبراء الاستطلاع الذين لم يغيروا توقعاتهم الأساسية.
توقعات اليورو مقابل الدولار: أرقام الاستطلاع وما تعنيه للسوق
أظهر استطلاع رويترز أن توقعات المحللين لا تزال تميل إلى ارتفاع اليورو على حساب الدولار خلال الأشهر المقبلة.
متوسط التوقعات (الوسيط) يشير إلى:
- وصول اليورو إلى 1.18 دولار بنهاية مارس.
- ارتفاعه إلى 1.19 دولار خلال ثلاثة أشهر.
- وصوله إلى 1.20 دولار خلال ستة أشهر.
- اقترابه من 1.21 دولار على أفق عام كامل.
المهم هنا ليس الرقم وحده، بل ثبات الاتجاه في التوقعات رغم الحرب.
كثير من الاستراتيجيين يرون أن صعود الدولار الأخير لم يغير الصورة الكبرى:
الدولار قد يتحرك بعنف داخل نطاقات قصيرة، لكنه على الأرجح سيواجه ضغطًا في 2026 إذا تحولت السياسة النقدية إلى خفض،
أو إذا زادت الشكوك حول نمو الاقتصاد الأمريكي مقارنة بمناطق أخرى.
“التذبذب” كلمة السر في 2026
بحسب ما نقلته رويترز عن بعض الاستراتيجيين، من المتوقع أن يبقى تداول اليورو/الدولار “متقلبًا” هذا العام.
التقلب هنا يعني أن السوق قد يشهد موجات صعود وهبوط سريعة دون أن يترسخ اتجاه واحد لفترة طويلة،
بسبب تضارب القوى: المخاطر الجيوسياسية تدعم الدولار مؤقتًا، بينما توقعات خفض الفائدة والتموضع السابق يدعمان فكرة ضعفه لاحقًا.
النفط يقلب الطاولة: قفزة برنت وتأثيرها على العملات
من أكثر المحركات تأثيرًا في الأيام الأخيرة كان ارتفاع أسعار النفط.
أشار الاستطلاع إلى أن خام برنت قفز بنحو 15% منذ يوم الجمعة،
وبات مرتفعًا بنحو 37% منذ بداية عام 2026.
وهذه الأرقام لا تُعد تفاصيل ثانوية؛ لأنها تعيد تسعير التضخم والمخاطر في معظم الاقتصادات المستوردة للطاقة.
عندما يقفز النفط، ترتفع توقعات التضخم وتتحرك العوائد على السندات صعودًا،
ما يضغط على شهية المخاطرة ويزيد كلفة التمويل ويضعف عملات الدول الأكثر حساسية للطاقة.
في هذه البيئة، قد يحصل الدولار على دعم قصير الأجل، ليس لأنه “ملاذ مطلق”،
بل لأن المستثمرين يبحثون عن سيولة عالية وعملات يمكن التحوط بها بسرعة.
الصدمة النفطية تضرب الأسواق الناشئة بقوة
ذكر الاستطلاع أن معظم عملات الأسواق الناشئة تراجعت، خصوصًا في آسيا،
بسبب “الضربة المزدوجة” المتمثلة في ارتفاع النفط وارتفاع العوائد.
في العادة، تتأثر هذه العملات سريعًا لأن ارتفاع النفط يزيد فاتورة الاستيراد ويضغط على ميزان المدفوعات،
بينما ارتفاع العوائد العالمية يقلل جاذبية الأصول عالية المخاطر.
وبالنسبة لأمريكا اللاتينية والأسواق الناشئة بشكل عام، يتحدث بعض الاستراتيجيين عن مرحلة “دفاعية” في المحافظ الاستثمارية،
أي تقليص التعرض للمخاطر والاحتفاظ بسيولة أعلى، قبل العودة إلى الشراء عند استقرار الصورة.
وهذا يفسر لماذا ينعكس التوتر عادة على العملات الناشئة أسرع من انعكاسه على عملات مجموعة العشرة.
التموضع في سوق العملات: هل سيبقى المستثمرون “قصيري الدولار”؟
سأل استطلاع رويترز المشاركين عن كيفية تغير التموضع بحلول نهاية مارس.
وكانت الإجابات موزعة، لكن الرسالة العامة تشير إلى أن السوق لا يتوقع انقلابًا كاملًا نحو شراء الدولار على المدى القريب.
كثيرون رجحوا عدم تغير كبير أو حتى زيادة في مراكز البيع، بينما توقع آخرون تراجعًا في حجم المراكز القصيرة.
والأهم: عدد قليل جدًا توقع تحولًا كاملًا إلى “مراكز شراء” صافية على الدولار.
هذا التوزيع يعكس موقفًا عمليًا: المستثمرون مستعدون لاحتمال استمرار الاضطراب،
لكنهم لا يريدون الرهان على دولار قوي طويلًا قبل اتضاح ثلاثة ملفات:
مسار الحرب، ومسار النفط، ومسار الفائدة الأمريكية.
لذلك تبقى توقعات الدولار الأمريكي أسيرة لعناوين الأخبار، بقدر ما هي أسيرة للبيانات الاقتصادية.
كم قد يضيف إغلاق مراكز البيع إلى الدولار؟
تشير تقديرات بعض البنوك إلى أن إغلاق مراكز البيع بالكامل قد يمنح الدولار دعمًا إضافيًا يُقدّر بنحو 1.5% إلى 2% من المستويات الحالية.
لكن هذا سيناريو يعتمد على تطورات الحرب، لأن استمرار التصعيد قد يسرّع موجة التحوط،
بينما الهدوء المفاجئ قد يعيد المتداولين إلى مراكزهم السابقة التي تراهن على ضعف الدولار.
الرسوم الجمركية والاقتصاد الأمريكي: ضبابية تُربك السوق
إلى جانب الحرب، هناك عامل سياسي-اقتصادي لا يزال يضغط على الرؤية: عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية الأمريكية،
وما الذي سيُطبق فعليًا، ومتى، وكيف سيؤثر ذلك على التضخم وسلاسل الإمداد والنمو.
أي تشدد في الرسوم قد يرفع التضخم على المدى القصير، لكنه قد يضغط على النمو، ما يخلق معضلة أمام الاحتياطي الفيدرالي.
هذا النوع من الضبابية يُنتج سوقًا يميل إلى “النطاقات” بدل الاتجاهات.
قد ترى الدولار قويًا لعدة جلسات، ثم ينعكس بسرعة مع تغير في العناوين أو صدور بيانات توظيف أضعف.
ولهذا قال بعض المشاركين في الاستطلاع إن فريقًا واحدًا قد يضم من هو متفائل بالدولار ومن هو متشائم ومن يفضّل تجاهله مؤقتًا.
سوق العمل الأمريكي: نقطة ارتكاز لأي توقعات
تبقى قوة سوق العمل الأمريكي عاملًا حاسمًا.
إذا تباطأ التوظيف أو ظهرت مؤشرات ضعف مفاجئة، فقد تعود رهانات خفض الفائدة بقوة، ما يضغط على الدولار.
وإذا ظلت البيانات قوية، فقد يتأخر الخفض وتتحسن جاذبية الدولار مؤقتًا.
وفي الحالتين، يظل المسار النهائي مرتبطًا بميزان بين التضخم والنمو والمخاطر الجيوسياسية.
كيف يتعامل المستثمر مع سيناريو “الصعود المؤقت” للدولار؟
في بيئة كهذه، يُفضّل كثير من المستثمرين تبني نهج مرن بدل اتخاذ موقف أحادي الاتجاه.
فإذا كنت تتعامل مع الدولار كعملة تحوط، فقد يكون من المنطقي مراقبة:
- اتجاه أسعار النفط اليومية وأي إشارات على اضطراب الإمدادات.
- تسعير توقعات الفائدة: هل يعود خفض يونيو للتسعير أم يظل مستبعدًا؟
- حركة عوائد السندات الأمريكية مقارنة بالأسهم والذهب.
- حجم التقلبات على زوج اليورو/الدولار ومدى اتساع النطاقات.
- استجابة عملات الأسواق الناشئة، لأنها غالبًا “تسبق” التحول في المزاج العام.
الفكرة ليست تقديم توصية استثمارية جاهزة، بل تبسيط الصورة:
إذا كان ارتفاع الدولار قائمًا على تغطية مراكز، فغالبًا ما يكون سريعًا ثم يهدأ.
أما إذا تحول المشهد إلى طلب ملاذات حقيقي، فسترى علامات متزامنة:
صعودًا أكبر للدولار، أداءً أقوى للسندات الأمريكية، وتراجعًا أوسع في الأصول عالية المخاطر.
توقعات الدولار الأمريكي بين الحرب والفائدة والنفط
يشير استطلاع رويترز بوضوح إلى أن قفزة الدولار منذ بدء الحرب المرتبطة بإيران قد تكون غير مستدامة،
لأن جزءًا كبيرًا منها نتج عن تغطية مراكز بيع مكثفة وصدمة نفطية أعادت ترتيب الحسابات بسرعة.
وفي الوقت نفسه، لا تزال الغالبية تتوقع أن يعود الدولار إلى مسار ضعف نسبي خلال 2026،
خصوصًا إذا ثبتت توقعات خفض الفائدة لاحقًا هذا العام.
وبين هذه القوى المتعارضة، تبدو كلمة “التذبذب” الأقرب لوصف المرحلة.
الدولار قد يواصل الارتفاع لفترات قصيرة إذا استمر استبعاد خفض قريب للفائدة أو إذا تصاعدت المخاطر،
لكنه يظل عرضة لتراجعات إذا هدأت الجبهة الجيوسياسية أو تحولت البيانات الاقتصادية لصالح سيناريو الخفض.
وفي كل الأحوال، تبقى توقعات الدولار الأمريكي في 2026 مرهونة بمسار الحرب والنفط وسوق العمل الأمريكي أكثر من أي وقت مضى.






















