الذهب والمعادن النفيسة تواصل رحلة الصعود في مطلع 2026 وسط رهانات خفض الفائدة
بدأت أسعار الذهب والمعادن النفيسة عام 2026 على ارتفاع ملحوظ، لتستأنف موجة الصعود التاريخية التي ميزت أداء هذه الأصول خلال عام 2025، في وقت تتزايد فيه المخاوف الجيوسياسية، وتتعزز رهانات الأسواق على اتجاه الاحتياطي الفدرالي الأميركي نحو خفض أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
ويعكس الأداء القوي للذهب والفضة والبلاتين والبلاديوم مع مطلع العام الجديد استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، وسط تباطؤ النمو في بعض الاقتصادات الكبرى، وتراجع التضخم تدريجياً، إلى جانب بحث المستثمرين عن أدوات تحوط فعالة تحمي المحافظ الاستثمارية من التقلبات.
الذهب يستعيد زخمه بعد جني الأرباح
ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1.7% ليصل إلى 4387.58 دولار للأونصة، بعدما سجل في أواخر ديسمبر/ كانون الأول مستوى قياسياً تاريخياً عند 4549.71 دولار، قبل أن يتعرض لموجة تصحيح محدودة بفعل عمليات جني الأرباح في نهاية العام.
كما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم فبراير/ شباط بنسبة 1.3% إلى 4399.20 دولار للأونصة، في إشارة إلى ثقة المستثمرين باستمرار الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط، رغم التقلبات قصيرة الأجل.
ويؤكد محللون أن التصحيح الأخير لم يكن سوى حركة صحية داخل مسار صاعد طويل الأجل، مدفوع بعوامل أساسية قوية لا تزال قائمة مع بداية 2026.
العوامل الجيوسياسية تعزز الطلب على الملاذات الآمنة
يواصل الذهب الاستفادة من حالة التوتر الجيوسياسي العالمي، في ظل استمرار النزاعات الإقليمية، وتفاقم التوترات بين القوى الكبرى، إضافة إلى عدم وضوح مسار العلاقات التجارية الدولية.
وفي مثل هذه البيئات، يتجه المستثمرون تقليدياً إلى الذهب باعتباره ملاذاً آمناً يحافظ على القيمة في أوقات عدم اليقين، وهو ما يفسر استمرار التدفقات الاستثمارية القوية إلى المعدن الأصفر، سواء عبر الأسواق الفورية أو الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب.
خفض الفائدة الأميركية رهان محوري للأسواق
تلعب السياسة النقدية الأميركية دوراً محورياً في تحديد مسار الذهب خلال عام 2026، إذ أظهر محضر اجتماع الاحتياطي الفدرالي الأخير أن قرار تثبيت أسعار الفائدة جاء بعد نقاش دقيق، في ظل تباين وجهات النظر حول توقيت خفض الفائدة.
وتتوقع الأسواق حالياً تنفيذ خفضين على الأقل لمعدلات الفائدة الأميركية خلال العام الجاري، وهو سيناريو داعم بقوة للذهب، نظراً لأن المعدن الذي لا يدر عائداً يصبح أكثر جاذبية في بيئة تتسم بانخفاض تكلفة الفرصة البديلة.
كما أن أي تراجع في قيمة الدولار الأميركي نتيجة التيسير النقدي المحتمل من شأنه أن يوفر دعماً إضافياً لأسعار الذهب المقومة بالدولار.
الدور المتزايد للبنوك المركزية في دعم الذهب
واصلت البنوك المركزية حول العالم خلال عام 2025 تعزيز احتياطياتها من الذهب، في إطار استراتيجيات تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.
ولا تزال هذه المشتريات تشكل أحد أعمدة الدعم الرئيسية لسوق الذهب، حيث يتوقع محللون استمرار هذا الاتجاه خلال 2026، لا سيما من قبل الاقتصادات الناشئة الساعية لتعزيز الاستقرار النقدي وحماية عملاتها من التقلبات.
ويمثل هذا الطلب المؤسسي طويل الأجل عاملاً مهماً يحد من أي هبوط حاد في أسعار الذهب، ويعزز النظرة الإيجابية للمعدن الأصفر على المدى البعيد.
انتعاش الطلب الفعلي في آسيا
على صعيد الطلب الفعلي، شهدت الأسواق الآسيوية، ولا سيما الهند والصين، عودة قوية للطلب على الذهب مع مطلع العام الجديد، حيث تم تداول المعدن بعلاوة سعرية للمرة الأولى منذ نحو شهرين.
وساهم التراجع المحدود من المستويات القياسية في جذب المستهلكين، سواء لأغراض الادخار أو صناعة المجوهرات، ما عزز الطلب المادي بعد فترة من الترقب.
ويعد الطلب الآسيوي عاملاً حاسماً في استدامة الاتجاه الصاعد للذهب، نظراً للوزن الكبير لهذه الأسواق في الاستهلاك العالمي.
2025 عام استثنائي في تاريخ الذهب
أنهى الذهب عام 2025 بمكاسب سنوية بلغت 64%، في أكبر قفزة سنوية منذ عام 1979، وهو أداء تاريخي يعكس تلاقي عدة عوامل داعمة في وقت واحد.
وشملت هذه العوامل خفض أسعار الفائدة العالمية، وتزايد التوترات الجيوسياسية، وارتفاع الطلب الاستثماري، إضافة إلى المشتريات القياسية من قبل البنوك المركزية.
ويعتقد محللون أن جزءاً كبيراً من هذه العوامل لا يزال قائماً في 2026، ما يعزز التوقعات باستمرار الاتجاه الصاعد، وإن بوتيرة قد تكون أكثر اعتدالاً.
الفضة تتفوق وتواصل تسجيل أرقام قياسية
في سوق المعادن النفيسة الأخرى، واصلت الفضة تفوقها اللافت، حيث ارتفعت في المعاملات الفورية بنسبة 2.1% إلى 72.75 دولاراً للأونصة، بعد أن سجلت مستوى قياسياً عند 83.62 دولاراً في وقت سابق.
وأنهت الفضة عام 2025 بمكاسب ضخمة بلغت 147%، في أفضل أداء سنوي بتاريخها، متفوقة على الذهب بفارق كبير.
ويعزى هذا الأداء القوي إلى الجمع بين الطلب الاستثماري والطلب الصناعي، لا سيما من قطاعات الطاقة المتجددة والإلكترونيات، ما منح الفضة زخماً مزدوجاً يصعب تجاهله.
البلاتين يستفيد من اختلالات العرض والطلب
ارتفع البلاتين في المعاملات الفورية بنسبة 0.2% إلى 2057.74 دولاراً للأونصة، بعد أن سجل مستوى قياسياً عند 2478.50 دولاراً، محققاً أكبر مكاسبه السنوية على الإطلاق بارتفاع بلغ 127%.
ويستفيد البلاتين من تقلص المعروض العالمي، إلى جانب تحسن الطلب الصناعي، خاصة في قطاع السيارات وتقنيات الهيدروجين، ما يعزز النظرة الإيجابية للمعدن خلال 2026.
البلاديوم يواصل التعافي بأفضل أداء في 15 عاماً
سجل البلاديوم ارتفاعاً بنسبة 2.4% إلى 1642.90 دولاراً للأونصة، مختتماً عام 2025 بمكاسب بلغت 76%، وهو أفضل أداء سنوي له خلال نحو 15 عاماً.
وجاء هذا الأداء مدعوماً بتحسن الطلب من قطاع السيارات، إلى جانب مخاوف بشأن الإمدادات، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية التي تؤثر على كبار المنتجين.
آفاق المعادن النفيسة في 2026
مع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وتزايد التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأميركية، يرى محللون أن المعادن النفيسة مرشحة لمواصلة الأداء القوي خلال عام 2026.
ومن المتوقع أن يظل الذهب في صدارة الأصول الدفاعية، في حين قد تستفيد الفضة والبلاتين والبلاديوم من مزيج من العوامل الاستثمارية والصناعية.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى المعادن النفيسة أحد أبرز محاور اهتمام المستثمرين خلال العام الجديد، سواء كأدوات تحوط أو كفرص استثمارية طويلة الأجل.






















