الاقتصاد الأميركي يضيف 119 ألف وظيفة في سبتمبر رغم ارتفاع معدل البطالة إلى 4.4%
أظهرت أحدث بيانات الاقتصاد الأميركي أن سوق العمل لا يزال يتمتع بقدر من الصلابة رغم الضغوط
المتزايدة، إذ أضافت الولايات المتحدة 119 ألف وظيفة خلال شهر سبتمبر أيلول، متجاوزة توقعات المحللين التي دارت
حول 52 ألف وظيفة فقط. إلا أن الصورة ليست وردية بالكامل، فقد ارتفع معدل البطالة إلى 4.4% مقابل 4.3% في القراءة
السابقة، مسجلاً أعلى مستوى له منذ أكتوبر تشرين الأول 2021، ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول قوة التوظيف
الحقيقية ومسار السياسة النقدية للفيدرالي الأميركي في المرحلة المقبلة.
تفاصيل تقرير الوظائف: نمو محدود في التوظيف وارتفاع في البطالة
وفقاً لبيانات وزارة العمل الأميركية الصادرة اليوم الخميس 20 نوفمبر، فإن خلق 119 ألف وظيفة جديدة في سبتمبر
يعكس استمرار الشركات في التوظيف، وإن كان بوتيرة أبطأ من الأشهر التي أعقبت التعافي من جائحة كورونا. هذا
المستوى من الزيادة في الوظائف يُعد إيجابياً من حيث تجاوزه التوقعات، لكنه يبقى أقل من متوسط الزيادات الشهرية
التي اعتاد عليها الاقتصاد الأميركي في فترات النمو القوي، عندما كانت الأرقام تتجاوز
في أحيان كثيرة 200 ألف وظيفة شهرياً.
في المقابل، ارتفع معدل البطالة إلى 4.4% بعدما كان مستقراً عند 4.3%، وهو ارتفاع يبدو ظاهرياً متواضعاً، إلا أن
أهميته تكمن في أنه يأخذ البطالة إلى أعلى مستوى لها في نحو أربع سنوات تقريباً. هذا التطور يشير إلى أن جزءاً من
القوى العاملة يجد صعوبة متزايدة في الحصول على وظائف، أو أن بعض الشركات بدأت في تقليص عدد الموظفين أو تجميد
التوظيف في ظل بيئة اقتصادية أكثر حذراً.
من الزاوية الفنية، قد يعكس ارتفاع البطالة أيضاً زيادة في أعداد الأشخاص الذين دخلوا سوق العمل بحثاً عن وظائف،
بعد تحسن نسبي في الأجور أو تبدّد بعض المخاوف المرتبطة بالتضخم. وفي هذه الحالة، فإن ارتفاع معدل البطالة لا
يكون بالضرورة سلبياً بالكامل، بل يشير إلى اتساع قاعدة الباحثين عن فرص عمل ضمن الاقتصاد الأميركي.
بيانات متأخرة بسبب الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ أميركا
من اللافت أن هذه الأرقام تأتي متأخرة بنحو 46 يوماً عن موعدها المعتاد، نتيجة الإغلاق الحكومي الذي تعرضت له
الولايات المتحدة مؤخراً، والذي يُعد الأطول في تاريخ البلاد. هذا التأخير جعل المستثمرين وصنّاع القرار يفتقرون
لفترة ليست بالقصيرة إلى أحد أهم المؤشرات التي يعتمدون عليها في تقييم صحة الاقتصاد الأميركي،
وهو تقرير الوظائف الشهري.
التأخير في نشر البيانات لا يغيّر من مضمونها الأساسية، لكنه يضيف قدراً من الضبابية، إذ تصبح الأسواق أمام صورة
«قديمة نسبياً» لسوق العمل مقارنة بالتطورات السريعة التي قد تكون حدثت خلال الأسابيع التالية لشهر سبتمبر. وبذلك،
قد يتعامل الفيدرالي والفاعلون في الأسواق مع هذه الأرقام كمؤشر تاريخي أكثر منه أداة لحظية لاتخاذ القرار، مع
الاعتماد بدرجة أكبر على مؤشرات أخرى أكثر حداثة، مثل بيانات إعانات البطالة الأسبوعية ومسوحات الأعمال.
الأجور: تباطؤ طفيف يعطي الفيدرالي متنفساً ضد الضغوط التضخمية
على صعيد الأجور، أظهرت البيانات ارتفاع متوسط الأجر في الساعة بنسبة 0.2% على أساس شهري، وبنسبة 3.8% على أساس
سنوي، مقارنة مع توقعات أشارت إلى زيادة شهرية قدرها 0.3% وسنوية قدرها 3.7%. هذا المزيج يحمل في طياته إشارات
متباينة؛ فمن جهة، يعني نمو الأجور السنوي عند 3.8% أن وتيرة ارتفاع الأجور لا تزال أعلى قليلاً من مستوى مقبول
تماماً لاستقرار التضخم قرب هدف الفيدرالي البالغ 2%. ومن جهة أخرى، فإن تباطؤ الزيادة الشهرية إلى 0.2% فقط قد
يُفسَّر على أنه بداية تهدئة في ضغوط الأجور.
أهمية مؤشر الأجور في الاقتصاد الأميركي تنبع من كونه قناة رئيسية لقياس ما يُعرف
بـ «التضخم المدفوع بالأجور»، أي ذلك التضخم الذي ينتج عن مطالبة العمال بزيادة رواتبهم للتعويض عن ارتفاع تكاليف
المعيشة، ثم قيام الشركات برفع الأسعار بدورها للحفاظ على هوامش أرباحها. لذلك ينظر الفيدرالي بعناية فائقة إلى
أي تسارع أو تباطؤ في نمو الأجور، باعتباره دليلاً مبكراً على مسار التضخم خلال الأشهر المقبلة.
طلبات إعانة البطالة: مؤشّر مرن على صلابة سوق العمل
إلى جانب تقرير الوظائف، صدرت بيانات طلبات إعانة البطالة الأسبوعية في الولايات المتحدة، والتي أظهرت تراجع
الطلبات إلى 220 ألف طلب، وهو مستوى أقل من التوقعات التي دارت حول 227 ألفاً، ومن القراءة السابقة البالغة
232 ألفاً. هذا الانخفاض يشير إلى أن عدد الأميركيين الذين يتقدّمون بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة لا
يزال في نطاق يُعتبر صحياً، ولا يوحي حتى الآن بموجة تسريح كبيرة في سوق العمل.
عادةً ما تُعد بيانات إعانات البطالة من أكثر المؤشرات سرعة في التقاط أي تغيّر مفاجئ في اتجاهات التوظيف، نظراً
لأنها تصدر أسبوعياً وتعكس قرارات الشركات في الزمن شبه الحقيقي. وبناءً على القراءة الحالية، يمكن القول إن
الاقتصاد الأميركي ما يزال قادراً على تجنب موجة حادة من فقدان الوظائف، حتى وإن كان يتحرك
تدريجياً نحو حالة من التوازن بعد سنوات من التوسع القوي في التوظيف.
انعكاسات البيانات على سياسة الفيدرالي الأميركي
يجلس الاحتياطي الفيدرالي في قلب هذه المعادلة المعقدة بين النمو والتضخم وسوق العمل. فبعد سلسلة من الزيادات
الحادة في أسعار الفائدة خلال العامين الماضيين بهدف كبح التضخم، بات صناع القرار النقدي في واشنطن أكثر حذراً
بشأن أي خطوات إضافية. البيانات الجديدة لسوق العمل تمنح الفيدرالي ذخيرة مزدوجة الرسائل.
فمن ناحية، لا تزال وتيرة خلق الوظائف إيجابية وتفوق التوقعات، كما أن نمو الأجور السنوي عند 3.8% قد يدفع بعض
الأعضاء داخل الفيدرالي إلى التحذير من إعلان انتصار مبكر على التضخم، خاصة إذا ظلت الأسعار في قطاع الخدمات
مرتفعة. ومن ناحية أخرى، فإن ارتفاع معدل البطالة إلى 4.4% وتباطؤ الأجور على أساس شهري يمكن أن يُفسَّرا على أن
تشديد السياسة النقدية بدأ يترك أثراً ملموساً على الاقتصاد الأميركي، ما يجعل أي تشديد إضافي
عرضة لاتهامات بأنه قد يدفع الاقتصاد إلى ركود غير ضروري.
بناءً على هذه الصورة، قد يرجّح كثير من المحللين أن يتبنى الفيدرالي موقف «الانتظار والترقب»، أي الإبقاء على
أسعار الفائدة الحالية لبعض الوقت، مع مراقبة البيانات المقبلة بدقة، خصوصاً تقارير التضخم ومبيعات التجزئة
والمسوح الصناعية. أي إشارة لاحقة إلى تباطؤ أكبر في التوظيف أو ارتفاع إضافي في البطالة قد تفتح الباب أمام
نقاش حول إمكانية خفض الفائدة في مراحل لاحقة إذا ما تراجعت الضغوط التضخمية بما يكفي.
تداعيات على الأسواق المالية والدولار الأميركي
أسواق الأسهم والسندات عادة ما تتفاعل بسرعة مع مثل هذه البيانات. فبيانات توظيف أضعف من المتوقع كان يمكن أن
تدفع المستثمرين إلى القلق بشأن تباطؤ حاد في الاقتصاد الأميركي، لكن تجاوز عدد الوظائف للتوقعات
يخفف من حدة هذه المخاوف. في المقابل، فإن ارتفاع البطالة وتباطؤ الأجور قد يُنظر إليهما على أنهما عاملان
يقلّصان احتمالات استمرار التشديد النقدي، وهو ما قد يدعم أسواق الأسهم على المدى المتوسط عبر تخفيف الضغط على
تكلفة الاقتراض.
بالنسبة لسوق السندات، قد يجد المستثمرون في هذه الأرقام مبرراً لمزيد من الإقبال على سندات الخزانة، باعتبارها
ملاذاً آمناً في أوقات الضبابية الاقتصادية، مع توقعات بأن الفيدرالي قد يقترب تدريجياً من نهاية دورة التشديد.
هذا الإقبال يمكن أن ينعكس في صورة تراجع لعوائد السندات على الآجال المتوسطة والطويلة، إذا ما تأكدت توقعات
تباطؤ النمو وتراجع التضخم.
أما الدولار الأميركي، فقد يتأرجح بين تأثيرين متعارضين: فمن جهة، البيانات الأفضل من المتوقع على صعيد عدد
الوظائف تدعم صورة الاقتصاد الأميركي كاقتصاد أكثر متانة من نظرائه، ما يوفّر دعماً للعملة
الأميركية. ومن جهة أخرى، فإن أي تراجع في توقعات رفع الفائدة أو زيادة الرهان على خفضها في المستقبل يمكن أن
يضغط على الدولار لمصلحة العملات الأخرى، خاصة إذا ما بدأ المستثمرون يتوقعون سياسة نقدية أكثر تيسيراً مقارنة
بالمصارف المركزية المنافسة.
ماذا تعني هذه الأرقام للأسر الأميركية والإنفاق الاستهلاكي؟
بالنسبة للأسر الأميركية، تعني هذه البيانات أن فرص الحصول على وظيفة لا تزال قائمة، وإن كانت المنافسة أشد من
السابق في بعض القطاعات. ارتفاع البطالة إلى 4.4% قد ينعكس في زيادة الحذر لدى الأفراد بشأن الإنفاق على السلع
غير الضرورية، خصوصاً في ظل استمرار مستويات أسعار الفائدة المرتفعة على القروض العقارية وبطاقات الائتمان
وقروض السيارات.
ومع ذلك، فإن نمو الأجور السنوي عند حدود 3.8% يعطي بعض الدعم لقدرة الأسر على مواجهة تكاليف المعيشة، خاصة إذا
ما استمر التضخم في الانحسار التدريجي. وإذا ما نجح الفيدرالي في تحقيق «هبوط ناعم» للاقتصاد، أي تباطؤ في النمو
دون الوقوع في ركود، فإن سوق العمل قد يحافظ على جزء كبير من قوته، بما يسمح باستمرار الإنفاق الاستهلاكي الذي
يمثل العمود الفقري لـالاقتصاد الأميركي.
سوق عمل متوازن بين القوة والتباطؤ الحذر
في المحصلة، يرسم تقرير الوظائف الأميركي لشهر سبتمبر صورة مركّبة لسوق العمل في أكبر اقتصاد في العالم. فإضافة
119 ألف وظيفة جديدة وتراجع طلبات إعانة البطالة إلى 220 ألفاً يؤكدان أن الاقتصاد الأميركي لم
يفقد بعد قدرته على خلق الوظائف، رغم مسار التشديد النقدي الطويل. في المقابل، فإن ارتفاع معدل البطالة إلى
4.4% وتباطؤ نمو الأجور الشهري يسلّطان الضوء على أن مرحلة «السخونة المفرطة» في سوق العمل بدأت تنحسر تدريجياً.
هذه المعادلة الدقيقة بين دعم النمو وكبح التضخم ستكون المحرك الرئيسي لقرارات الفيدرالي خلال الأشهر المقبلة،
كما ستحدد مزاج المستثمرين في الأسواق العالمية. وحتى تتضح صورة البيانات اللاحقة، سيظل تقرير سبتمبر ـ رغم
تأخر صدوره بسبب الإغلاق الحكومي ـ مرجعاً أساسياً لفهم الاتجاه الذي يسير فيه سوق العمل، وما إذا كان
الاقتصاد الأميركي يسير بالفعل نحو «هبوط ناعم» أم أن المخاطر لا تزال قائمة لسيناريو
تباطؤ أكثر حدة في المستقبل.






















