أسعار الذهب تتراجع من مستويات قياسية وسط ترقّب إغلاق حكومي أميركي
أبرز الأرقام:
- الذهب الفوري عند نحو 3,819 دولارًا/أونصة (-0.4%) بعد قمة قياسية قرب 3,871 دولارًا.
- عقود الذهب الآجلة حول 3,847 دولارًا (-0.2%) بعد ذروة قرب 3,893 دولارًا.
- مكاسب ربع سنوية تقارب 17%، وارتفاع سنوي يناهز 45% بدعم مشتريات البنوك المركزية وتدفّقات صناديق المؤشرات والتوترات الجيوسياسية.
مخاطر الإغلاق الحكومي الأميركي تضيف ضبابية للأسواق
تواجه واشنطن مهلة تنتهي عند منتصف الليل (04:00 غرينتش الأربعاء) لتمرير موازنة تُجنب البلاد إغلاق مئات المؤسسات الفيدرالية. أي تعثّر قد ينعكس على النشاط الاقتصادي ويؤخر بيانات الوظائف غير الزراعية لشهر سبتمبر، ما يوسّع هامش عدم اليقين ويعزّز الطلب على الذهب.
تاريخيًا، فترات الإغلاق تتزامن مع تراجع معنويات المخاطرة وارتفاع التقلبات، بينما يستفيد الذهب من انتقال المستثمرين نحو الأصول الدفاعية عندما تتأثر ثقة المستهلك والأعمال واحتمالات النمو.
توقعات الفيدرالي: دعم إضافي لأسعار الذهب
قرار الاحتياطي الفيدرالي الأخير بخفض الفائدة 25 نقطة أساس فتح الباب أمام خفضين إضافيين مشروطين بتراجع التضخم واستقرار سوق العمل. الرهانات السائدة على خفض جديد في أكتوبر—كما تعكسها أدوات متابعة توقعات الفائدة في السوق—تضغط على الدولار والعوائد الحقيقية، وهو ما يدعم أسعار الذهب.
عندما تتراجع العوائد الحقيقية، ينخفض «العائد البديل» لحيازة الذهب غير الموزّع للفائدة، فتزداد جاذبية المعدن الأصفر، خصوصًا لدى الصناديق التي تعيد موازنة محافظها وفق ديناميكيات المخاطر والعائد.
لماذا ارتفع الذهب إلى مستويات قياسية؟
مشتريات البنوك المركزية
استمرار البنوك المركزية—خصوصًا في الأسواق الناشئة—بزيادة احتياطيات الذهب يعكس رغبة في تنويع الأصول وتقليص التعرض لمخاطر العملات. هذه التدفقات الهيكلية توفّر قاعدة طلب صلبة عبر الدورات.
تدفّقات صناديق المؤشرات والطلب الاستثماري
تزامنت الموجة الصعودية مع عودة التدفقات إلى صناديق المؤشرات المدعومة بالذهب (ETFs)، ما يعزّز مرونة الأسعار خلال فترات التقلب.
العوامل الجيوسياسية والدولار
تصاعد التوترات العالمية وتقلّبات الدولار الأميركي يؤثران مباشرة على شهيّة المخاطرة. ضعف الدولار عادة ما يوفّر دعمًا لأسعار السلع المقوّمة به، وعلى رأسها الذهب.
أداء المعادن الأخرى: الفضة والبلاتين والنحاس
الزخم لم يقتصر على الذهب؛ إذ حققت الفضة مكاسب تقارب 30% في الربع الثالث مدفوعة بتركيبة مزدوجة من الطلب الصناعي والاستثماري، فيما صعد البلاتين بنحو 18% متلقّيًا دعمًا من تحسّن توقعات العرض والطلب.
بالنسبة إلى النحاس، ورغم تراجع العقود القياسية في بورصة لندن بنحو 0.9% إلى 10,347 دولارًا للطن يوم الثلاثاء، فإن الأداء الفصلي بقي إيجابيًا (نحو +5%)، في حين أظهرت عقود كومكس مكاسب أقوى على أساس ربع سنوي (نحو +11%).
سيناريوهات محتملة لأسعار الذهب على المدى القريب
- تمرير الموازنة دون إغلاق: قد نشهد جني أرباح محدودًا في الذهب مع ارتداد نسبي للدولار، لكن تبقى المستويات المرتفعة مدعومة بتوقعات الفائدة.
- حدوث إغلاق قصير الأمد: ارتفاع تقلبات السوق وتعزيز الطلب على الملاذات قد يدفع الأسعار لإعادة اختبار القمم القياسية.
- مفاجآت في بيانات التضخم/الوظائف: قراءة ضعيفة تعزّز مسار الخفض وتدعم الذهب؛ أما المفاجآت الإيجابية للاقتصاد فقد تكبح الزخم مؤقتًا.
الخط السفلي
رغم التراجع الطفيف، تظل أسعار الذهب قريبة للغاية من مستوياتها التاريخية، ما يعكس مزيجًا من ضغوط الاقتصاد الكلي وعدم اليقين السياسي وتوقّعات التيسير النقدي. يبقى الذهب محورًا أساسيًا في محافظ التحوّط، مع مراقبة لصيقة لمآلات الإغلاق الحكومي الأميركي واجتماعات الفيدرالي وبيانات سوق العمل.
الذهب بين السياسات النقدية والمخاطر الجيوسياسية
لا يمكن فصل مسار الذهب عن التداخل المعقد بين العوامل الاقتصادية والسياسية والمالية. فالارتفاعات القياسية الأخيرة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة بيئة عالمية تتسم بتزايد الاعتماد على الأصول الآمنة، وسط موجة من التحولات في السياسات النقدية.
إحدى أهم الركائز التي عززت الطلب على الذهب خلال العام الجاري هي تسارع البنوك المركزية في الأسواق الناشئة نحو شراء المعدن النفيس، في محاولة لحماية احتياطاتها من تقلبات العملات الرئيسية، خاصة الدولار واليورو. هذه الاستراتيجية لم تقتصر على دول محدودة، بل شملت قوى اقتصادية كبرى في آسيا وأميركا اللاتينية، الأمر الذي يرسّخ الذهب كأداة احتياط استراتيجية لا غنى عنها.
من جانب آخر، فإن تزايد التوترات الجيوسياسية، سواء في الشرق الأوسط أو شرق آسيا أو حتى داخل الاتحاد الأوروبي، ساهم في تعزيز القناعة لدى المستثمرين بأن الذهب يظل الملاذ الأكثر موثوقية عند الأزمات. ويضاف إلى ذلك الاضطرابات التجارية الناتجة عن السياسات الحمائية الأميركية الجديدة، التي تزيد من الضبابية في مسارات سلاسل التوريد العالمية.
على الصعيد النقدي، يستمر النقاش داخل الأوساط الاقتصادية حول مدى فعالية سياسة التيسير النقدي في تحفيز النمو. ومع كل إشارة من الفيدرالي إلى تخفيف السياسة، يزداد بريق الذهب. فالمعدن الأصفر لا يدر عائدًا، لكنه في بيئة فائدة منخفضة أو سالبة يصبح أكثر جاذبية، لأنه يحافظ على قيمته في مواجهة التضخم وفقدان القوة الشرائية للعملات.
بالتالي، فإن التراجع الطفيف الحالي لا يُنظر إليه كمؤشر ضعف، بل كحركة تصحيح طبيعية بعد موجة صعود قوية. والمستثمرون على المدى الطويل يرون في أي انخفاض فرصة لإعادة بناء مراكزهم عند مستويات سعرية أقل، استعدادًا لموجة صعود جديدة محتملة إذا استمرت الظروف الحالية أو تفاقمت.






















