UBS تتوقع ارتفاع أسعار الذهب إلى 4700 دولار للأوقية مع تصاعد المخاطر السياسية والمالية
عادت أسعار الذهب إلى واجهة الاهتمام في الأسواق العالمية مع تجدد الرهانات على صعود جديد للمعدن الأصفر، مدعومة بمزيج معقد من المخاطر السياسية والمالية وتوقعات السياسة النقدية الأميركية.
وفي أحدث رؤيتها، أكدت مجموعة UBS أن التراجعات الأخيرة في الذهب ليست سوى استراحة قصيرة ضمن مسار صاعد أوسع، مع إبقاء سعره في نطاق المستويات القياسية قرب 4000 دولار للأوقية، مع إمكانية تمديد هذا الصعود نحو 4700 دولار للأوقية في سيناريو تصاعد المخاطر.
أسعار الذهب بين تصحيح قصير الأجل ومسار صاعد طويل الأمد
يرى استراتيجيّو UBS أن الحركة الأخيرة في أسعار الذهب أقرب إلى تصحيح صحي بعد موجة مكاسب قوية، وليست بداية لانعكاس هابط. فوفقًا لمذكرتهم البحثية، ما زال الزخم الأساسي للسوق داعمًا للمعدن، مع استمرار الطلب الاستثماري وتزايد دور الذهب كأحد أهم أدوات التحوط ضد الضبابية الاقتصادية والمالية.
وفي هذا السياق، تؤكد UBS على هدفها الأساسي لسعر الذهب عند نحو 4200 دولار للأوقية خلال 12 شهرًا، مع الإشارة إلى أن السيناريو الإيجابي المتطرف، في حال تصاعد المخاطر السياسية والمالية بشكل حاد، قد يدفع الأسعار إلى حدود 4700 دولار للأوقية. هذا النطاق السعري يعكس، في رأي البنك، مزيجًا من عوامل الدعم الممتدة، من بينها السياسة النقدية الأميركية، والديون السيادية العالمية، والطلب القياسي من البنوك المركزية.
الإغلاق الحكومي الأميركي: تحسن شهية المخاطرة لا يلغي جاذبية الذهب
نهاية محتملة لأطول إغلاق حكومي في التاريخ الأميركي
على المدى القصير، ساهمت بوادر التوصل إلى اتفاق لإنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة في تحسين شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر، ما قد يؤدي – نظريًا – إلى تهدئة مؤقتة في الطلب على الذهب. ومع ذلك، تؤكد UBS أن تأثير هذه الخطوة يظل محدودًا على الاتجاه العام لـأسعار الذهب، لأن جذور القلق في الأسواق أعمق من مجرد أزمة إغلاق حكومي عابرة.
فحتى في حال تمرير حزمة التمويل الحالية، تبقى مخاطر عودة الإغلاق مطلع العام المقبل قائمة إذا فشل الكونغرس في التوصل إلى اتفاق طويل الأمد بشأن الإنفاق الحكومي. هذا النوع من “حلول اللحظة الأخيرة” يعزز، في رأي المستثمرين، صورة عدم اليقين السياسي في واشنطن، وهو ما يصب في مصلحة الذهب كملاذ آمن.
سياسة الإنفاق والجدل السياسي المستمر
الأسواق باتت تدرك أن النقاش حول حدود الإنفاق الحكومي الأميركي لم يعد تقنيًا فقط، بل تحول إلى ملف سياسي بامتياز، يتقاطع مع الاستقطاب الحاد بين الحزبين الرئيسيين. هذا المشهد يُبقي عنصر عدم اليقين حاضراً في التسعير، ويدفع المستثمرين إلى الاحتفاظ بجزء من محافظهم في الذهب تحسبًا لأي تعثر جديد في مفاوضات الموازنة أو سقف الدين مستقبلاً.
المخاطر التجارية والقانونية: حكم المحكمة العليا والرسوم الجمركية
ملف الرسوم الجمركية تحت مجهر المحكمة العليا
تسلط UBS الضوء على عامل آخر داعم لـأسعار الذهب يتمثل في حالة الغموض المرتبطة بحكم مرتقب من المحكمة العليا الأميركية حول شرعية بعض الرسوم الجمركية المفروضة بموجب “قانون السلطات الاقتصادية الطارئة الدولية” (IEEPA).
فنتيجة هذا الحكم لن تنعكس فقط على مسار السياسة التجارية الأميركية، بل قد تعيد تشكيل جزء من معادلة المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية في العالم، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقات مع شركاء تجاريين كبار. وفي حال جاء الحكم بصورة تفتح الباب أمام مزيد من النزاعات التجارية أو تعقّد مشهد التدفقات التجارية العالمية، فقد يشجع ذلك المستثمرين على تعزيز مراكزهم في الذهب.
الذهب كتحوط ضد عدم اليقين السياسي والتشريعي
في أوقات يختلط فيها القانون بالسياسة، تصبح قدرة المستثمرين على توقع مسار السياسات المستقبلية محدودة، ما يزيد من أهمية الأصول التي لا تعتمد قيمتها على التزامات حكومية أو إصدارات دين سيادي. وهنا يتقدم الذهب كأصل “خارج المنظومة السياسية”، يُنظر إليه كاحتياط استراتيجي في مواجهة مفاجآت التشريعات والقرارات السيادية.
ديون حكومية قياسية وطلب قياسي على الذهب
مخاوف الاستدامة المالية والبحث عن بدائل للعملات
تشير UBS إلى أن المستويات القياسية للديون الحكومية حول العالم تمثل أحد أهم أسباب استمرار صعود الذهب في المدى المتوسط والطويل. فمع ارتفاع نسب الدين إلى الناتج في كثير من الاقتصادات الكبرى، يُطرح سؤال جوهري حول استدامة هذه الأعباء في ظل تباطؤ النمو، واحتمالات ارتفاع تكاليف خدمة الدين إذا تغيرت شروط التمويل العالمي.
هذه المخاوف تعيد إحياء النقاش القديم حول مخاطر التضخم على المدى البعيد، واحتمالات لجوء بعض الحكومات إلى التضخم كأداة غير مباشرة لتخفيف أعباء الديون الحقيقية. في هذا السياق، يُنظر إلى الذهب كأداة تحوط ضد تآكل القوة الشرائية للعملات الورقية، ما يدعم الطلب عليه من المستثمرين الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
بيانات مجلس الذهب العالمي: طلب تاريخي يقود الأسعار
تستند UBS كذلك إلى بيانات حديثة صادرة عن مجلس الذهب العالمي، تشير إلى أن الطلب الإجمالي على الذهب سجل مستوى قياسيًا خلال الربع المنتهي في سبتمبر، مدفوعًا بتدفقات استثمارية قوية وتجدد وتيرة المشتريات من البنوك المركزية. ووفقًا للبنك، فإن الطلب الكلي خلال العام مرشح لأن يكون الأقوى منذ عام 2011، وهي فترة ارتبطت تاريخيًا ببلوغ الذهب مستويات قياسية.
مشتريات البنوك المركزية على وجه الخصوص تُعد إشارة لافتة، فهي تعكس رغبة الدول في تنويع احتياطاتها بعيدًا عن العملات التقليدية، وعلى رأسها الدولار الأميركي. وكلما زادت هذه المشتريات، تراجعت الكميات المتاحة في السوق الفورية، ما يضيف طبقة إضافية من الدعم لـأسعار الذهب.
سياسة الاحتياطي الفيدرالي والدولار: بيئة داعمة لأسعار الذهب
توقع خفضين إضافيين للفائدة حتى أوائل 2026
على صعيد السياسة النقدية، يتوقع محللو UBS أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتنفيذ خفضين إضافيين لأسعار الفائدة بحلول أوائل عام 2026، استنادًا إلى إشارات تباطؤ سوق العمل وتراجع ثقة المستهلكين. هذا المسار التيسيري يعني عمليًا أن أسعار الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة مرشحة للمزيد من الانخفاض، وهو ما عادةً ما يكون بيئة مثالية لصعود الذهب.
فالذهب، كأصل لا يدر عائدًا، يصبح أكثر جاذبية عندما تتراجع عوائد الأصول الآمنة الأخرى، مثل السندات الحكومية الأميركية المعدلة بالتضخم. ومع انخفاض الفائدة الحقيقية، تقل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، ما يدفع مزيدًا من المستثمرين إلى إدخاله في محافظهم كعنصر أساسي للتحوط والتنوع.
الدولار تحت الضغط ودوره في دعم الذهب
إلى جانب الفائدة، تشير UBS إلى أن استمرار دورة خفض الفائدة قد يضغط على قوة الدولار الأميركي أمام سلة العملات الرئيسية، وهو ما يمثل عامل دعم إضافي لـأسعار الذهب.
تراجع الدولار يجعل المعدن الأصفر أرخص لحائزي العملات الأخرى، ويشجع بالتالي على زيادة الطلب في الأسواق الآسيوية والأوروبية والأسواق الناشئة، بما فيها المنطقة العربية.
وفي حال تزامنت دورة ضعف الدولار مع تصاعد المخاطر السياسية والمالية، كما ترجّح UBS، فإن هذا التزاوج بين “دولار أضعف” و”مخاطر أعلى” قد يدفع المستثمرين إلى تسريع وتيرة بناء مراكز في الذهب، ما يعزز احتمالات الوصول إلى مستويات قريبة من 4200 دولار للأوقية وربما 4700 دولار في سيناريوهات أكثر تطرفًا.
ما الذي تعنيه توقعات UBS للمستثمر العربي؟
بالنسبة للمستثمرين في المنطقة العربية، تقدم هذه الرؤية من UBS إشارة مهمة إلى أن أسعار الذهب أسعار الذهب ما زالت تستند إلى عوامل أساسية قوية، تتجاوز التقلبات اليومية في السوق. فالمخاطر السياسية في الولايات المتحدة والعالم، ومستويات الديون السيادية القياسية، مع مسار الفائدة والدولار، جميعها عناصر تساهم في خلق بيئة داعمة للمعدن الأصفر.
ومع ذلك، يبقى من الضروري التعامل مع هذه التوقعات بحذر، وعدم النظر إليها باعتبارها مسارًا مضمونًا للأسعار. فالأسواق يمكن أن تتفاعل مع البيانات والأحداث بطرق مفاجئة، وقد تشهد أسعار الذهب فترات من التقلبات الحادة أو التصحيحات العميقة حتى داخل اتجاه صاعد طويل الأمد.
لذلك، قد يكون إدراج الذهب ضمن المحافظ الاستثمارية جزءًا من استراتيجية أوسع للتنويع وإدارة المخاطر، بدل الاعتماد عليه وحده كرهان رئيسي. كما أن اختيار الأداة المناسبة للتعرض لسوق الذهب – سواء عبر السبائك، أو الصناديق المتداولة، أو أسهم شركات التعدين – ينبغي أن يتم وفقًا لأهداف المستثمر ودرجة تحمله للمخاطر وأفقه الزمني.
في المحصلة، تؤكد UBS أن الذهب ما زال يلعب دورًا محوريًا كـملاذ آمن ووسيلة تحوط في بيئة تتسم بضبابية سياسية ومالية متزايدة، ومع احتمالات تراجع الدولار واستمرار مشتريات البنوك المركزية، تبدو الظروف مهيأة لبقاء أسعار الذهب في مستويات مرتفعة تاريخيًا، مع مساحة محتملة لمزيد من الصعود إذا تصاعدت المخاطر بصورة تفوق التوقعات الحالية.
تنبيه مهم: هذا المقال لأغراض إعلامية وتحليلية عامة فقط، ولا يُعد بأي حال من الأحوال توصية مباشرة بالشراء أو البيع في أي أصل مالي، بما في ذلك الذهب أو الأدوات المرتبطة به. أي قرار استثماري يجب أن يستند إلى دراسة مستقلة للوضع المالي والأهداف الاستثمارية ودرجة تحمل المخاطر لكل مستثمر.






















