اقتراب توقف الفيدرالي عن خفض الفائدة يعيد شهية المخاطرة لمستثمري السندات
وتترقب الأسواق اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، وسط شبه إجماع على إبقاء سعر الفائدة ضمن النطاق الحالي بين 3.50% و3.75%، بعد أن خفّض الفيدرالي الفائدة ثلاث مرات متتالية في سبتمبر وأكتوبر وديسمبر الماضيين.
تغير المزاج الاستثماري في سوق السندات
يرى مديرو الأصول أن مرحلة التيسير النقدي قد تدخل فترة هدوء نسبي، وهو ما شجّع المستثمرين على إعادة توزيع محافظهم باتجاه آجال أطول من السندات، أو زيادة الانكشاف على الائتمان الأميركي بشكل انتقائي.
ويُعد تمديد آجال الاستحقاق – أو ما يُعرف بزيادة “المدة الزمنية” – خطوة ذات طابع مخاطري نسبيًا، لأن أسعار السندات طويلة الأجل تكون أكثر حساسية لتقلبات أسعار الفائدة والتوقعات الاقتصادية.
لكن في المقابل، يراهن المستثمرون على أن استقرار السياسة النقدية يمنح فرصة لاقتناص عوائد أعلى قبل أي تحولات مفاجئة في السياسة النقدية لاحقاً.
توقعات محدودة لخفض الفائدة خلال 2026
تسعّر العقود المستقبلية حالياً خفضاً لا يتجاوز 44 نقطة أساس خلال عام 2026، أي أقل من خفضين كاملين للفائدة، مقارنة بنحو 53 نقطة أساس قبل أسبوعين فقط.
هذا التراجع في توقعات الخفض يعكس قناعة متزايدة بأن التضخم بات أقرب إلى الاستقرار، وأن سوق العمل لا يزال متماسكاً، ما يقلل الحاجة إلى تسريع وتيرة التيسير النقدي.
ويرى محللون أن السياسة المالية الأميركية، بما تتضمنه من تخفيضات ضريبية وخطط دعم للإنفاق، قد تُبقي النشاط الاقتصادي عند مستويات جيدة، وهو ما يعزز فكرة التوقف المؤقت في دورة الخفض.
الرهان على السندات طويلة الأجل
تشير بيانات استطلاعات المؤسسات الكبرى إلى ارتفاع واضح في مراكز المستثمرين بالسندات طويلة الأجل خلال الأسبوع الماضي، وهو أعلى مستوى منذ منتصف ديسمبر.
عادةً ما يلجأ المستثمرون إلى هذه الاستراتيجية عندما يقترب الفيدرالي من نهاية دورة التشديد أو الخفض، حيث تنخفض عوائد السندات قصيرة الأجل أولاً، ما يدفع المحافظ الاستثمارية للانتقال إلى الجزء الأطول من منحنى العائد.
كما أن ميل منحنى العائد نحو الانحدار الإيجابي – أي ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل مقارنة بالقصيرة – يوفر فرصة لتحقيق عوائد أفضل مع الاحتفاظ بمستوى مقبول من المخاطر.
الائتمان الأميركي بين الجاذبية والحذر
رغم تحسن شهية المخاطرة، لا يزال العديد من مديري المحافظ متحفظين بسبب الارتفاع الكبير في تقييمات السندات الائتمانية الأميركية.
فالفوارق السعرية لسندات الدرجة الاستثمارية تراجعت إلى مستويات تاريخية منخفضة تقترب من أدنى مستوياتها منذ أواخر التسعينيات، ما يحد من فرص تحقيق مكاسب إضافية.
ويؤكد خبراء أن هذه المستويات المرتفعة من الأسعار تجعل الدخول بقوة في الأصول الأعلى مخاطرة أقل جاذبية في الوقت الحالي، خصوصاً مع استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي عالمياً.
الذهب يعكس مخاوف طويلة الأجل
في موازاة ذلك، يواصل الذهب تسجيل مكاسب ملحوظة، مدعوماً بزيادة مشتريات البنوك المركزية عالمياً، في إطار تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الديون الأميركية.
ويرى محللون أن هذا التوجه يعكس قلقاً طويل الأمد بشأن أوضاع المالية العامة الأميركية ومستويات الدين والعجز، وليس فقط توقعات أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
ويشير ذلك إلى أن المستثمرين، رغم عودتهم الجزئية للمخاطرة، لا يزالون يحتفظون بأدوات تحوط استراتيجية لمواجهة أي اضطرابات مستقبلية.
التحديات السياسية والمالية
لا تزال المخاطر السياسية والاقتصادية حاضرة بقوة، خاصة في ظل تصاعد التوترات التجارية العالمية وتزايد الإنفاق الحكومي الأميركي.
ويرى خبراء أن قدرة الإدارة الأميركية على ضخ حوافز مالية إضافية قد تكون محدودة، نظراً لمستويات العجز المرتفعة، ما قد يحد من تأثير أي برامج تحفيزية مستقبلية.
كما أن الأسواق تراقب عن كثب مستقبل قيادة الاحتياطي الفيدرالي، وتأثير ذلك على استقلالية السياسة النقدية واتجاهاتها خلال السنوات المقبلة.
خلاصة المشهد
يعكس تحرك مستثمري الفيدرالي السندات نحو قدر أعلى من المخاطرة ثقة نسبية في متانة الاقتصاد الأميركي واستقرار التضخم، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من الحذر بسبب ارتفاع التقييمات واستمرار المخاطر الجيوسياسية.
وبين تمديد آجال الاستحقاق، والتحفظ في الائتمان عالي المخاطر، والاحتفاظ بالذهب كأداة تحوط، يبدو أن المستثمرين يسعون لتحقيق توازن دقيق بين العائد والأمان في مرحلة دقيقة من دورة السياسة النقدية الأميركية.






















