وول ستريت تتجه لافتتاح هابط والأسهم العالمية على أعتاب أكبر تراجع أسبوعي منذ مارس
تتعرض الأسواق العالمية لضغوط قوية في ختام جلسات الأسبوع، مع توقعات بأن تفتح وول ستريت على تراجعات جديدة،
بينما يتجه مؤشر الأسهم العالمية إلى تسجيل أكبر هبوط أسبوعي له منذ مارس/آذار، وسط مزيج من المخاوف المتعلقة
بتقييمات قطاع التكنولوجيا، والجدل المتصاعد حول فقاعة الذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى بيانات وظائف أميركية
متضاربة تزيد من حالة عدم اليقين بشأن مسار الفائدة الأميركية.
ففي منتصف جلسة الجمعة، كان مؤشر MSCI الأسهم العالمية الأسهم العالمية منخفضًا بنحو 0.5%، متجهاً لخسارة
أسبوعية تُقدَّر بنحو 3.2%، وهو ما يعكس تحوّل شهية المخاطرة عالمياً من حالة النشوة المرتبطة بالذكاء
الاصطناعي إلى حالة حذر واضحة، بعد موجة صعود قياسية دفعت المؤشرات إلى مستويات تاريخية جديدة خلال الأشهر
الماضية.
الأسهم العالمية
ضغوط على الأسهم الأوروبية وتوقعات سلبية لافتتاح وول ستريت
قادت الأسهم الأوروبية الأسهم العالمية موجة التراجع، حيث هبط مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنحو 0.8%،
بينما انخفض مؤشر فوتسي 100 البريطاني بحوالي 0.4%، في وقت تراجعت فيه معظم القطاعات
الرئيسية، مع تركّز الضغوط على أسهم التكنولوجيا والدفاع.
في المقابل، تعكس العقود الآجلة الأميركية استعداد وول ستريت لافتتاح جلسة ضعيفة، إذ تراجعت
عقود S&P 500 الآجلة بنحو 0.2%، في حين انخفضت عقود ناسداك الآجلة
بحوالي 0.5%، ما يعني أن موجة البيوع التي ضربت أسهم التكنولوجيا في جلسة الخميس مرشحة للاستمرار.
وكانت جلسة الخميس قد شهدت ضغطاً حاداً على أسهم التكنولوجيا، رغم إعلان شركة إنفيديا Nvidia
عن نتائج فصلية قوية، وهو ما يعكس تحوّل تركيز المستثمرين من قوة الأرباح إلى القلق من تضخم التقييمات بعد
موجة صعود هائلة قادتها أسهم الذكاء الاصطناعي.
الأسهم العالمية
فقاعة الذكاء الاصطناعي بين المخاوف والفرص
موجة الصعود التي شهدتها الأسواق العالمية خلال الشهور الماضية كانت مدفوعة بشكل أساسي بالإنفاق الضخم على
تقنيات الذكاء الاصطناعي، واستثمارات المراكز البيانات والبنية التحتية للحوسبة عالية الأداء. ومع ذلك، بدأ
الخطاب في الأسواق يتحول تدريجياً من الحديث عن “ثورة تقنية” إلى التساؤل حول ما إذا كانت هذه الطفرة قد
تحوّلت إلى فقاعة مالية.
تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة ألفابت (غوغل)، سوندار بيتشاي، في وقت سابق من الأسبوع،
عندما حذّر من أن “لا شركة ستكون بمنأى عن تداعيات انهيار محتمل في طفرة الذكاء الاصطناعي”، غذّت هذا الجدل
وأعادت للأذهان مخاوف تشبه تلك التي رافقت فقاعة الإنترنت في مطلع الألفية.
مع ذلك، لا يزال جزء كبير من مديري الأصول يرى أن الحديث عن فقاعة مبالغ فيه في هذه المرحلة. إذ يشير
استراتيجيون في بنوك استثمار عالمية إلى أن أرباح العديد من شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى ما زالت تنمو
بقوة، وأن الطلب على قدرات الحوسبة والبرمجيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما يزال في بدايته.
مدير المحافظ لدى PineBridge Investments، هاني رضا، وصف رد فعل السوق على بيانات الوظائف
الأميركية ونتائج إنفيديا بأنه “مضاد تماماً للتوقعات”، واعتبر أن ما يحدث يرتبط إلى حد كبير
بما سماه “توسّع المراكز الاستثمارية بشكل مبالغ فيه” و”حساسية عالية لأي حديث عن فقاعة في الذكاء الاصطناعي”.
الأسهم العالمية
إنفيديا كـ “ماكينة سحب أرباح” للمستثمرين
رضا شبّه ما حدث في جلسة الخميس بأن سهم إنفيديا تحوّل إلى ما يشبه “ماكينة صرّاف آلي”، يلجأ المستثمرون
إليها لتسييل جزء من أرباحهم الكبيرة في السهم، من أجل تغطية خسائر أو مواقع خاسرة في أسهم أخرى أكثر
خطورة، وهو سلوك شائع في الأسواق عندما تبدأ موجة تصحيح أوسع.
ورغم هذه التراجعات، فإن تدفقات الأموال ما تزال تشير إلى أن شهية المستثمرين تجاه الأسهم لم تنكسر بالكامل؛
إذ أظهرت بيانات حديثة أن صناديق الأسهم العالمية استقطبت صافي تدفقات إيجابية للأسبوع
التاسع على التوالي حتى 19 نوفمبر، ما يعني أن كثيراً من المستثمرين لا يزالون يعتقدون أن موجة الذكاء
الاصطناعي تحمل المزيد من الفرص على المدى المتوسط.
كبير مسؤولي الاستثمار في يو بي إس UBS، مارك هيفيلي، قال في مذكرة شهرية للعملاء إن الذكاء
الاصطناعي “ما يزال محركاً رئيسياً للأسهم العالمية”، متوقعاً أن يؤدي ارتفاع الإنفاق الرأسمالي وتسارع
تبنّي حلول الذكاء الاصطناعي إلى دفع أسهم الشركات المرتبطة به إلى مستويات أعلى خلال العام المقبل.
الأسهم العالمية
بيانات وظائف أميركية متضاربة تزيد ضبابية مسار الفائدة
أحد العوامل التي زادت من حدة تقلبات السوق كان صدور بيانات الوظائف الأميركية المتأخرة عن شهر سبتمبر، بعد
تأجيلها بفعل الإغلاق الحكومي. أظهرت الأرقام تسارعاً في وتيرة نمو الوظائف، ما يوحي بأن سوق العمل ما زال
متماسكاً، في حين ارتفع معدل البطالة إلى أعلى مستوى خلال أربع سنوات، في إشارة إلى بدء تزايد الضغوط
في أجزاء أخرى من الاقتصاد.
هذا المزيج المتناقض أربك المتعاملين في الأسواق، إذ لم يكن حاسماً بالقدر الكافي لدعم سيناريو خفض جديد
في أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفدرالي خلال العام الحالي، وفي الوقت نفسه لم يكن
سلبياً بما يكفي لتأكيد تباطؤ اقتصادي حاد.
نتيجة لذلك، تراجعت رهانات خفض الفائدة الإضافي، وعاد الحديث بقوة عن احتمال إبقاء الفائدة الأميركية عند
مستوياتها المرتفعة لفترة أطول، وهو ما يُعتبر عادةً عاملاً ضاغطاً على تقييمات الأسهم، خاصة أسهم النمو
والتكنولوجيا الحساسة للتغير في تكلفة التمويل.
الأسهم العالمية
تحركات العملات: الين يستفيد من التلويح بالتدخل
في سوق العملات، خطفت اليابان الأضواء بعدما صرّحت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما بأن
التدخل المباشر في سوق العملات يظل “احتمالاً قائماً”، في أقوى إشارة حتى الآن إلى استعداد طوكيو للتدخل
لوقف تراجع الين، الذي فقد نحو 6% من قيمته منذ تولي رئيسة الوزراء ساناي تاكايشي قيادة الحزب الحاكم.
هذه التصريحات منحت الين بعض الدعم، ليتداول عند مستويات قريبة من 156.84 ين للدولار، مبتعداً قليلاً عن
أدنى مستوى له في عشرة أشهر والمسجل يوم الخميس قرب 157.9 ين للدولار، وإن ظل في نطاق ضعيف تاريخياً يعكس
اتساع فجوة الفائدة بين اليابان والاقتصادات الكبرى الأخرى.
الأسهم العالمية
بالتوازي، أقرّت الحكومة اليابانية حزمة تحفيز اقتصادي جديدة تُقدَّر بنحو 135 مليار دولار، في محاولة
لتعزيز النمو ومواجهة الضغوط على القدرة الشرائية للأسر، وهو ما قد يزيد من تعقيد مهمة البنك المركزي
الياباني في الموازنة بين دعم الاقتصاد واستقرار العملة.
في المقابل، بقي اليورو مستقراً عند نحو 1.1497 دولار، بينما استقر مؤشر الدولار قرب مستوى
100.39 نقطة، متجهاً لتحقيق مكاسب أسبوعية طفيفة بنحو 0.2%، تعكس ميل المستثمرين للاحتفاظ بالدولار كملاذ
نسبي في ظل حالة عدم اليقين.
السندات الأوروبية تجد دعماً من بيانات الأعمال
في أسواق الدخل الثابت، تراجعت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو، مع هبوط عائد السند الألماني لأجل
10 سنوات بنحو 4 نقاط أساس إلى حوالي 2.68%، بعد أن كان قد لامس أعلى مستوى في ستة أسابيع في وقت سابق من
الأسبوع.
هذا التراجع في العوائد جاء بدعم من بيانات مؤشرات مديري المشتريات PMI، التي أظهرت استمرار
نمو نشاط الأعمال في منطقة اليورو بوتيرة مستقرة، من دون إشارة قوية إلى تسارع تضخمي جديد، ما يعزز احتمال
إبقاء البنك المركزي الأوروبي على نهج التريث في السياسة النقدية.
النفط والذهب والبتكوين: ضغوط متزامنة على الأصول البديلة
لم تسلم الأصول البديلة من موجة الضغوط، إذ تراجعت أسعار النفط لليوم الثالث على التوالي،
متأثرة بتنامي الآمال في التوصل إلى اتفاق تدعمه الولايات المتحدة لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما
قد يمهّد الطريق لزيادة الإمدادات الروسية في السوق العالمية على المدى المتوسط.
هبوط النفط يأتي في وقت ما تزال فيه الأسواق قلقة من فائض المعروض واحتمال تباطؤ الطلب في حال استمرار ضغوط
الفائدة المرتفعة في الاقتصادات الكبرى، خاصة مع إشارات متكررة إلى تباطؤ في بعض القطاعات الصناعية
والاستهلاكية.
على صعيد المعادن النفيسة، تراجع الذهب الفوري بنحو 0.7% إلى حوالي 4,047 دولاراً للأونصة،
متأثراً بارتفاع طفيف في عوائد السندات الأميركية وقوة الدولار على أساس أسبوعي، رغم استمرار الطلب عليه
كأداة تحوّط في المحافظ الاستثمارية.
أما في سوق العملات المشفرة، فقد شهد البتكوين ضغوطاً حادة، حيث انخفض إلى أدنى مستوى في
سبعة أشهر قرب 81,668 دولاراً، في انعكاس مباشر لتراجع appetite المخاطرة لدى المستثمرين، وتحول كثيرين منهم
إلى تقليص تعرضهم للأصول عالية التقلب مع اتساع موجة البيوع في الأسهم.
الأسهم العالمية
صورة أسبوع مضطرب: تصحيح صحي أم بداية انعكاس أعمق؟
مجمل التحركات خلال الأسبوع ترسم صورة سوق يعيش حالة إعادة تقييم لتوقعاته، بعد شهور من
التفاؤل المفرط بالذكاء الاصطناعي وبإمكانية خفض سريع لأسعار الفائدة. فالتراجعات الحالية لا تزال حتى الآن
في إطار التصحيحات الطبيعية، خاصة بعد مكاسب قوية ومتتالية على مدار أسابيع.
الأسهم العالمية
جزء من المستثمرين ينظر إلى ما يحدث على أنه فرصة لإعادة بناء المراكز في أسهم أساسية بسعر أقل، خصوصاً في
الشركات التي تمتلك نماذج أعمال راسخة في مجال الذكاء الاصطناعي، وبديون منخفضة وقدرة عالية على توليد
السيولة، ما يجعلها أكثر قدرة على تحمّل بيئة فائدة مرتفعة لفترة أطول.
في المقابل، يتخوّف آخرون من أن تكون هذه بداية مسار أطول من التصحيح، إذا ما تزايدت الإشارات على تباطؤ
اقتصادي أعمق في الولايات المتحدة وأوروبا، أو تراجعت الأرباح المستقبلية للشركات عن التوقعات المتفائلة
التي تسعّرها الأسواق حالياً، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا.
الأسهم العالمية
وبين هذا وذاك، يبقى العامل الحاسم في الأسابيع المقبلة هو البيانات الاقتصادية الأميركية، وخاصة بيانات
التضخم والإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب أي إشارات جديدة من الاحتياطي الفدرالي حول مسار الفائدة. فاستمرار
الحديث عن “فائدة أعلى لفترة أطول” سيبقي الضغط قائماً على الأصول عالية المخاطر، فيما قد يفتح أي تحوّل نحو
لهجة أكثر تيسيراً الباب أمام عودة موجة الصعود مجدداً.
حتى ذلك الحين، يبدو أن الأسواق العالمية تتجه لإنهاء هذا الأسبوع على وقع خسائر ملحوظة، في تذكير جديد
للمستثمرين بأن طريق الاستفادة من الثورة التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، لن يكون خطاً مستقيماً،
بل مليئاً بمحطات التصحيح وجني الأرباح وإعادة التسعير.






















