هبوط الذهب والفضة بقوة مع تصاعد مخاوف التضخم وارتفاع الفائدة
شهدت أسواق المعادن الثمينة تراجعًا حادًا خلال تعاملات اليوم، حيث هبط الذهب بنسبة تقارب 4%، فيما سجلت الفضة خسائر أكبر تجاوزت 10%، في واحدة من أقوى موجات البيع منذ أسابيع. ويأتي هذا التراجع وسط تزايد المخاوف من استمرار التضخم العالمي وارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
كسر مستوى 5000 دولار يغير اتجاه السوق
انخفض سعر الذهب الفوري إلى نحو 4609 دولارات للأونصة، بعد أن فقد أكثر من 4% من قيمته، بينما تراجعت العقود الآجلة بنسبة تقارب 6%. ويُعد هذا الهبوط بمثابة كسر واضح لمستوى 5000 دولار، وهو المستوى الذي ظل يمثل منطقة دعم قوية للأسواق خلال الأسابيع الماضية.
هذا الكسر الفني المهم دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مراكزهم، خاصة في ظل غياب أي إشارات قريبة لخفض أسعار الفائدة الأمريكية، وهو العامل الذي كان يدعم أسعار الذهب سابقًا.
الفضة تتعرض لضغوط أكبر من الذهب
لم تكن الفضة بمنأى عن هذه الضغوط، بل تأثرت بشكل أكبر، حيث هبطت بأكثر من 10% لتصل إلى حوالي 67 دولارًا للأونصة. ويعكس هذا الأداء الحساسية العالية للفضة تجاه تحركات السيولة والمضاربات، إلى جانب ارتباطها بالطلب الصناعي الذي قد يتأثر سلبًا في بيئة اقتصادية غير مستقرة.
التضخم والحرب يشعلان أسعار الطاقة
يأتي هذا التراجع في المعادن رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية، خاصة بعد الهجمات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، والتي طالت منشآت طاقة استراتيجية، أبرزها حقل “جنوب فارس” العملاق.
وقد أدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز، خاصة مع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. هذه التطورات عززت المخاوف من موجة تضخمية جديدة، وهو ما يضع البنوك المركزية في موقف حرج.
الفيدرالي يثبت الفائدة لكن الرسالة واضحة
رغم أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قرر تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الأخير، إلا أن تصريحاته حملت نبرة حذرة، حيث أشار إلى أن الضغوط التضخمية قد تستمر لفترة أطول نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.
هذه الرسائل دفعت الأسواق إلى تقليص توقعاتها لخفض الفائدة، حيث تشير بيانات CME FedWatch إلى أن أول خفض محتمل قد يتأجل حتى سبتمبر المقبل، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى منتصف العام.
الدولار يرتفع ويضغط على الذهب
مع تزايد توقعات بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ارتفع الدولار الأمريكي بشكل ملحوظ، مما شكل ضغطًا إضافيًا على الذهب. فالمعدن الأصفر، الذي لا يدر عائدًا، يصبح أقل جاذبية في بيئة ترتفع فيها العوائد الحقيقية.
كما أن ارتفاع العوائد على السندات الأمريكية زاد من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، ما دفع العديد من المستثمرين إلى التحول نحو الأصول المدرة للعائد.
تغير سلوك المستثمرين في الأسواق
تشير تحليلات السوق إلى أن المستثمرين بدأوا في التحول من الاعتماد على الذهب كملاذ آمن إلى التركيز بشكل أكبر على تأثيرات التضخم والسياسة النقدية. بمعنى آخر، لم يعد العامل الجيوسياسي وحده كافيًا لدعم الأسعار كما كان في السابق.
وفي هذا السياق، أوضح محللو OCBC أن السوق بات يتفاعل بشكل أكبر مع مخاطر التضخم وتأثيرها على مسار الفائدة، بدلًا من التركيز على الطلب التحوطي التقليدي.
هل فقد الذهب بريقه كملاذ آمن؟
رغم التراجع الأخير، لا يزال العديد من المحللين يرون أن الذهب لم يفقد مكانته كملاذ آمن، لكنه يمر بمرحلة إعادة تسعير في ظل بيئة اقتصادية مختلفة.
فالذهب عادة ما يستفيد من الأزمات، لكن عندما تقترن هذه الأزمات بارتفاع التضخم وأسعار الفائدة، فإن تأثيرها يصبح معقدًا، وقد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى القصير.
سيناريوهات المرحلة القادمة
في حال استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، فمن المرجح أن تبقى الضغوط التضخمية قائمة، مما قد يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسته النقدية المتشددة لفترة أطول. هذا السيناريو قد يواصل الضغط على الذهب.
أما إذا هدأت التوترات الجيوسياسية أو بدأت مؤشرات التضخم في التراجع، فقد يستعيد الذهب جزءًا من مكاسبه، خاصة إذا عادت توقعات خفض الفائدة إلى الواجهة.
هبوط الذهب والفضة يعكس تحولًا مهمًا في ديناميكيات السوق، حيث أصبحت السياسة النقدية والتضخم هما المحرك الرئيسي للأسعار، متفوقين على تأثير العوامل الجيوسياسية. وفي ظل هذه المعطيات، من المرجح أن تستمر التقلبات في أسواق المعادن خلال الفترة المقبلة، مع بقاء الأنظار موجهة نحو قرارات البنوك المركزية وتطورات الحرب في الشرق الأوسط.






















