ريشمون تتجاوز التوقعات رغم الرسوم الأميركية وارتفاع أسعار الذهب
حققت مجموعة ريشمون Richemont، المالكة لعلامات فاخرة أبرزها كارتييه، أداءً قوياً في الربع المالي الأخير، متجاوزةً توقعات المحللين رغم الضغوط الاستثنائية التي شهدها قطاع السلع الفاخرة من رسوم تجارية أميركية مرتفعة، وتقلبات في أسعار الصرف، وارتفاع تاريخي في أسعار الذهب. ويأتي هذا الأداء ليشكل رسالة مهمة مفادها أن الطلب على المجوهرات الفاخرة يستعيد زخمه، حتى في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بعدم اليقين وتباطؤ النمو الاستهلاكي.
ارتفاع مبيعات يفوق التوقعات رغم الرياح المعاكسة
أعلنت ريشمون عن تسجيل نمو عضوي بنسبة 14% في المبيعات خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر، متجاوزةً تقديرات السوق التي رجّحت نمواً لا يتجاوز 7% وفق استطلاع Visible Alpha. وعلى الرغم من أن النمو الاسمي بلغ 8% فقط عند احتساب تقلبات العملة، إلا أن ارتفاع المبيعات جاء “واسع النطاق” بحسب المحللين، ليشمل معظم الأقسام والأسواق الجغرافية.
هذا التفوق يأتي في وقت تتعرض فيه شركات السلع الفاخرة لضغوط كبيرة، سواء من ضعف إنفاق المستهلكين في أوروبا، أو من الرسوم الجمركية الأميركية المفروضة على الواردات السويسرية، أو من ارتفاع تكلفة المواد الخام وعلى رأسها الذهب الذي يشكل جزءاً رئيسياً من تكلفة الإنتاج في قطاع المجوهرات الفاخرة.
الصين تعود إلى النمو لأول مرة منذ عامين
كشفت ريشمون عن مؤشرات قوية على انتعاش الطلب في الصين—أكبر الأسواق الآسيوية للعلامات الفاخرة—بعد فترة من الانكماش استمرت نحو عامين نتيجة الضغوط الاقتصادية الداخلية وتراجع إنفاق الطبقة المتوسطة. وأفادت الشركة بأن منطقة الصين الكبرى، والتي تشمل هونغ كونغ وماكاو، قد سجلت نمواً إيجابياً لافتاً خلال الربع، في خطوة تعدّ بمثابة نقطة تحول لقطاع الرفاهية العالمي.
وقال رئيس مجلس الإدارة يوهان روبرت إن الشركة تراقب “بوادر أولية لتحسن الطلب”، لكنه أكد أن من المبكر وصف ما يحدث على أنه تعافٍ كامل، في ظل استمرار التحديات الاقتصادية في السوق الصينية.
وتشير البيانات إلى أن مبيعات آسيا والمحيط الهادئ قد ارتفعت بنحو 10% عند ثبات أسعار الصرف، وهو مستوى يفوق بكثير توقعات التجار والمحللين الذين كانوا يرجّحون استمرار الضعف لفترة أطول.
ريشمون تبحر بأمان في مواجهة الرسوم الأميركية
على الرغم من أن الولايات المتحدة تفرض رسوماً جمركية تصل إلى 39% على الواردات السويسرية في إطار سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجارية، فإن ريشمون تمكنت من تخفيف أثر هذه الرسوم بفضل نموذج تسعير أكثر استقراراً من منافسيها، إضافة إلى تركّز أعمالها في قطاع المجوهرات بدلاً من الموضة، وهو قطاع أقل حساسية للتقلبات قصيرة الأجل.
الولايات المتحدة تمثل 22% من مبيعات ريشمون، ما يجعلها السوق الأكبر للشركة. ورغم أن أثر الرسوم الجمركية كان محدوداً في النصف الأول من العام، إلا أن الإدارة حذرت من احتمالية ارتفاع التكلفة خلال النصف الثاني إذا لم يتم التوصل لاتفاق تجاري جديد بين واشنطن وبرن.
وفي الوقت ذاته، تقترب أميركا وسويسرا من اتفاق يرمي إلى خفض الرسوم البالغة 39%، ما قد يخفف الضغط على ربحية ريشمون في العام القادم.
HSBC: سياسة التسعير المنضبطة أنقذت ريشمون
في تقرير حديث، قال محللو بنك HSBC إن ريشمون نجت من «فخ الجشع السعري» الذي وقعت فيه بعض علامات الموضة الفاخرة، والتي رفعت أسعارها بشكل مبالغ فيه خلال فترة ما بعد الجائحة، ثم واجهت تباطؤاً حاداً في الطلب. ونتيجة هذا القرار الاستراتيجي، استطاعت ريشمون الحفاظ على ولاء عملائها وعلى نمو ثابت حتى في أصعب الفترات.
وبحسب البنك، فإن الشركة استفادت من عدم تضخيم هوامش الربح بطريقة تؤدي إلى فقدان القدرة التنافسية، وهذا أكسبها ميزة كبيرة مقارنة ببقية اللاعبين في السوق الذين شهدت مبيعاتهم تراجعاً ملحوظاً خلال العام.
قفزة كبيرة في أرباح المساهمين
أعلنت الشركة ارتفاع صافي الربح للمساهمين إلى 1.80 مليار يورو في النصف الأول من العام، مقارنة بـ 450 مليون يورو العام الماضي، وذلك بفضل التخلص من عملية شطب بقيمة 1.2 مليار يورو لقطاع YNAP الإلكتروني الذي تم بيعه لاحقاً.
ويُظهر هذا التحسن أن عمليات إعادة هيكلة الأصول الرقمية بدأت تؤتي ثمارها، وأن الشركة أصبحت أكثر تركيزاً على نشاطها الأساسي المتمثل في المجوهرات والساعات الفاخرة.
قطاع الرفاهية: بين التفاؤل والحذر
تأتي نتائج ريشمون في وقت يشهد قطاع الرفاهية تباطؤاً عالمياً، نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة، وتراجع المدخرات ما بعد الجائحة، وتباطؤ الاقتصادين الأميركي والصيني. ومع ذلك، فإن النتائج الأقوى من التوقعات لدى شركات مثل LVMH وHermès إلى جانب ريشمون، تشير إلى أن الطلب على الرفاهية «لم يمت»، بل يتجه نحو علامات محددة ذات قوة تاريخية.
وعلى الرغم من هذا التحسن، يظل الحذر سيد الموقف، إذ تشير البيانات إلى تحوّل إنفاق المستهلكين نحو الفئات الأكثر استقراراً مثل المجوهرات، مع تراجع واضح في فئات الموضة والإكسسوارات السريعة التغير.
الذهب المرتفع… وتحدي التكلفة المستمرة
تعد أسعار الذهب عاملاً محورياً بالنسبة لريشمون، باعتبارها أحد أكبر منتجي المجوهرات الفاخرة في العالم. وقد بلغ الذهب مستويات قياسية هذا العام، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة المواد الخام بشكل مباشر. ومع ذلك، تمكنت الشركة من الحفاظ على هوامشها التشغيلية بفضل سياسة تسعير مدروسة، وزيادة تركيزها على المنتجات ذات القيمة المضافة العالية.
ويتوقع محللون أن يستمر الذهب في التداول عند مستويات عالية خلال العام المقبل، ما يجعل إدارة التكاليف جزءاً أساسياً من استراتيجية الشركة للحفاظ على ربحيتها.
آفاق الموسم الاحتفالي: توقعات متفائلة
أشارت ريشمون إلى أنها تدخل الموسم الاحتفالي—وهو الموسم الأهم بالنسبة لشركات السلع الفاخرة—وهي تمتلك «توقعات وآمالاً مرتفعة»، بفضل قوة الطلب على المجوهرات والساعات الفاخرة، واستمرار تحسن مؤشرات السوق الصينية.
ويقول الخبراء إن موسم الأعياد المقبل سيكون اختباراً حقيقياً لقطاع الرفاهية، حيث سيتضح ما إذا كان المستهلكون حول العالم مستعدون للإنفاق بسخاء رغم ارتفاع الأسعار.
خلاصة تحليلية
تقدم نتائج ريشمون رسالة مزدوجة:
الأولى أن قطاع الرفاهية ما يزال يتمتع بقوة جوهرية تجعله قادراً على تجاوز الظروف الصعبة، بشرط إدارة التسعير بعقلانية وعدم الانجراف وراء رفع الأسعار بلا حساب.
والثانية أن عودة السوق الصينية إلى النمو—even لو بخطوات متواضعة—قد تعيد إشعال المنافسة بين العلامات الكبرى وتعزز مبيعاتها عالمياً.
وبينما يظل التحدي الأكبر أمام الشركة هو الرسوم الأميركية وارتفاع أسعار الذهب، فإن الأداء في الربع الأخير يوضح أن ريشمون قادرة على امتصاص الضربات والمضي قدماً في توسيع حصتها السوقية عالمياً.






















