النفط يواصل التراجع وسط ضغط أميركي لإبرام اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا
تشهد أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة موجة تراجع ملحوظة تمتد لثلاث جلسات متتالية، في ظل تطورات جيوسياسية واقتصادية متشابكة تضغط على الأسواق العالمية. وتأتي هذه التراجعات بالتزامن مع دفع الولايات المتحدة باتجاه التوصل إلى اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما يعيد تشكيل المشهد النف طي العالمي، ويزيد توقعات اتساع المعروض خلال الفترة المقبلة. ومع ارتفاع الدولار وتراجع شهية المخاطرة، يجد النف ط نفسه أمام مجموعة من العوامل التي تسحب الأسعار نحو مستويات أدنى.
تراجع أسعار النفط للجلسة الثالثة على التوالي
افتتحت الأسواق جلسة الجمعة على استمرار في التراجع، حيث هبطت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 1% لتصل إلى 62.67 دولار للبرميل. كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 58.29 دولار للبرميل، مواصلاً موجة الهبوط التي بدأت قبل أيام نتيجة الضبابية الاقتصادية ومخاوف زيادة المعروض.
وبذلك تتجه عقود الخامين إلى تسجيل خسائر أسبوعية تتجاوز 2%، وهو أداء يعكس حالة الضغط المتواصلة التي تشهدها أسعار النف ط، سواء من العوامل الاقتصادية العالمية أو من التطورات السياسية بين موسكو وكييف.
ورغم أن التراجع في أسعار النفط ليس ظاهرة جديدة في سوق يشهد تقلبات دائمة، فإن ما يميز التراجع الحالي هو تزامنه مع تحركات سياسية كبرى قد تُحدث تغييرًا ملموسًا في توازنات العرض والطلب خلال الأشهر المقبلة.
ضغوط أميركية للتوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب
تسعى الولايات المتحدة في هذه المرحلة إلى دفع روسيا وأوكرانيا نحو اتفاق سلام ينهي الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات. هذا التوجه ليس فقط سياسيًا، بل يرتبط بشكل مباشر بالأسواق العالمية، خصوصًا سوق الن فط، حيث يمكن لعودة الإمدادات الروسية بشكل أكثر سلاسة إلى الأسواق أن تزيد حجم المعروض العالمي وتضغط على الأسعار.
وبدأت العقوبات الأميركية الجديدة على شركتي روسنفت ولوك أويل الروسيتين بالدخول حيّز التنفيذ اليوم الجمعة. وتمتلك لوك أويل مهلة حتى 13 ديسمبر لبيع محفظتها الدولية الضخمة، وهو ما يضيف مزيدًا من التعقيدات إلى المشهد النف طي الروسي.
هذه التطورات تضع روسيا أمام خيارات صعبة، كما تضيف ضبابية إلى مستقبل إمداداتها النف طية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حركة أسعار النفط وتوقعات المتعاملين في السوق.
كيف يؤثر اتفاق السلام المحتمل على أسعار النفط؟
يشير محللو الأسواق إلى أن مجرد وجود احتمال — ولو ضئيل — لتوقيع اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا يكفي لخفض أسعار النفط، لأن الحرب خلال السنوات الماضية كانت تضيف ما يسمى بـ“علاوة المخاطر الجيوسياسية” على سعر البرميل.
وفي حال التوصل إلى اتفاق، فإن هذه العلاوة تتلاشى، ما يعني انخفاضًا مباشرًا في الأسعار، خاصة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع مستويات الإنتاج والتصدير من روسيا وأوكرانيا.
ويؤكد المحلل توني سيكامور من مؤسسة IG أن “عدم رفض أوكرانيا رسميًا للاتفاق حتى الآن يعزز احتمال حدوث انفراجة سياسية، وهو ما يضغط على الأسعار لأن السوق يتفاعل مبكرًا مع أي بوادر تهدئة”.
كما أن أي انفراج في العلاقات قد يفتح الباب لزيادة تدفقات الن فط عبر ممرات الشحن الآمنة، إضافة إلى تخفيف المخاطر المتعلقة بالهجمات على البنية التحتية للطاقة في البحر الأسود، وهو ما كان سببًا رئيسيًا في تقلبات الأسعار خلال السنوات الماضية.
ارتفاع الدولار وتراجع شهية المخاطرة
تزامن تراجع أسعار النفط مع ارتفاع الدولار الأميركي الذي يتجه لتسجيل أفضل أداء أسبوعي له منذ أكثر من شهر، وهو ما يزيد الضغط على السلع المقومة بالدولار وعلى رأسها النفط.
ويجعل ارتفاع الدولار شراء الن فط أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، مما يؤدي إلى تراجع الطلب الفعلي والمضاربي على الخام.
كما أن حالة عدم اليقين بشأن قرار مجلس الاحتياطي الفدرالي بشأن أسعار الفائدة تزيد الضغوط على أسواق الن فط. فالمستثمرون لم يعودوا يراهنون بقوة على خفض الفائدة في ديسمبر، وهو ما يقلل الإقبال على الأصول عالية المخاطر، ويجعل الأسواق أكثر حساسية للتقلبات الاقتصادية.
مخاوف متزايدة بشأن زيادة المعروض
تواجه الأسواق مخاوف متنامية بشأن زيادة المعروض العالمي من النفط، سواء من روسيا في حال التوصل إلى اتفاق سلام، أو من الولايات المتحدة التي تستمر في زيادة الإنتاج، إضافة إلى إمدادات أوبك+ التي تتعرض لضغوط سياسية وتجارية.
كما أن انحسار التوترات الجيوسياسية يعني تراجعًا في احتمالات حدوث اضطرابات في الإمدادات، وهو ما يزيد من قوة الاتجاه الهبوطي للأسعار.
انعكاسات التراجع على الاقتصادات العالمية
يؤدي انخفاض أسعار الن فط إلى سلسلة من التأثيرات على الاقتصادات العالمية، بعضها إيجابي وبعضها سلبي.
فالدول المستوردة للنفط تستفيد من تراجع الأسعار، إذ ينخفض معها التضخم، وتتحسن القدرة الشرائية للمستهلكين. أما الدول المصدرة فتعاني من تآكل إيراداتها النفطية، مما يضغط على موازناتها العامة.
وفي الوقت الحالي، يبدو أن الأسواق العالمية تستقبل انخفاض أسعار النفط بإيجابية نسبية، نظرًا للضغوط التضخمية التي يعاني منها عدد كبير من الاقتصادات المتقدمة والناشئة.
هل يستمر تراجع أسعار النفط خلال الفترة المقبلة؟
التوقعات تشير إلى أن أسعار النفط قد تواصل انخفاضها إذا استمرت العوامل الحالية المؤثرة في السوق، وعلى رأسها:
1. احتمالات توقيع اتفاق سلام
فكلما اقتربت الأطراف من التوصل لاتفاق، زاد الضغط على الأسعار، خصوصًا أن السوق يتوقع زيادة كبيرة في الإمدادات الروسية.
2. قوة الدولار
طالما ظل الدولار قويًا، ستظل أسعار النفط معرضة لضغوط هبوطية.
3. السياسة النقدية الأميركية
عدم خفض أسعار الفائدة يضغط على الطلب العالمي للطاقة، وبالتالي على الأسعار.
4. زيادة إنتاج النفط الأميركي
الولايات المتحدة تستمر في تعزيز إنتاجها النفطي ليقترب من مستويات قياسية جديدة.
ورغم ذلك، فإن أي توترات جديدة في الشرق الأوسط، أو قرارات مفاجئة من أوبك+، قد تدفع الأسعار للارتفاع مجددًا، وهو ما يبقي السوق في حالة ترقب دائم.
يجد النفط نفسه في مرحلة حساسة يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي، وسط ضغوط أميركية للتوصل إلى اتفاق سلام قد يغير شكل المعروض العالمي، ووسط مخاوف متزايدة بشأن السياسة النقدية والتضخم. وبين هذه العوامل المتشابكة، تظل أسعار النفط مرشحة لمزيد من التقلبات خلال الأسابيع المقبلة، في وقت ينتظر فيه المستثمرون أي إشارات قد تعيد التوازن إلى السوق.






















