النفط يصعد وسط تقييم المستثمرين لمخاوف تخمة المعروض ومخاطر العقوبات
صعود محدود لأسعار النفط رغم الضغوط على المعروض
ارتفعت أسعار النفط في تعاملات الثلاثاء 11 نوفمبر / تشرين الثاني، مع تقييم المستثمرين لتداعيات العقوبات الأميركية الأخيرة على النفط الروسي، مقابل مخاوف متزايدة من فائض المعروض في الأسواق العالمية.
وصعدت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 1.1% إلى 64.73 دولاراً للبرميل، في حين ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 60.78 دولاراً، بزيادة قدرها 65 سنتاً.
وجاء الارتفاع في ظل استمرار حالة الترقب في الأسواق بشأن مدى تأثير العقوبات الأميركية على تدفقات النفط الروسي، لا سيما بعد إعلان شركة لوك أويل الروسية حالة القوة القاهرة في أحد الحقول النفطية بالعراق، وهو ما فُسِّر على أنه أول مؤشر ملموس على اضطرابات حقيقية في سلاسل الإمداد.
العقوبات الأميركية على روسيا تعيد رسم خريطة الإمدادات
تسببت العقوبات الأميركية الجديدة في حالة من الارتباك في أسواق النفط الخام والمكرر، خصوصاً في أوروبا وآسيا، إذ باتت بعض الشركات تواجه صعوبة في تأمين بدائل للوقود الروسي، مما انعكس على ارتفاع هوامش التكرير.
ووفقاً لتقارير رويترز، قفزت هوامش تكرير الديزل في أوروبا إلى أعلى مستوى في 21 شهراً، لتقترب من 31 دولاراً للبرميل، فيما بلغت هوامش البنزين الأوروبي نحو 21 دولاراً للبرميل، وهو أعلى مستوى في 18 شهراً.
ويشير محللون إلى أن هذه التطورات تُظهر أن العقوبات، رغم أنها تهدف إلى الضغط على موسكو، قد تؤدي إلى تشديد المعروض العالمي من الوقود المكرر، وهو ما يخلق مفارقة جديدة في توازن السوق بين الخام والمنتجات النفطية.
أوبك+ بين زيادة الإنتاج ومخاطر التراجع في الأسعار
من جهة أخرى، تظل سياسات تحالف أوبك+ موضع متابعة دقيقة من قبل المستثمرين، خصوصاً بعد أن وافق التحالف في اجتماعه الأخير على رفع أهداف الإنتاج لشهر ديسمبر بمقدار 137 ألف برميل يومياً، مع تجميد أي زيادات إضافية خلال الربع الأول من 2026.
ويرى محللون أن هذه الخطوة جاءت كمحاولة لتحقيق توازن بين استقرار الأسعار وحماية الحصص السوقية للدول المنتجة.
وذكر محللو كومرتس بنك في مذكرة بحثية أن سوق النفط يواجه تحديات حقيقية بسبب وفرة المعروض، متوقعين استمرار الضغط على الأسعار خلال العام المقبل. وأضافوا أن السبب الرئيسي وراء فائض المعروض هو “زيادة إنتاج أوبك+ بنحو مليوني برميل يومياً منذ أبريل الماضي”.
ويُرجّح أن تؤدي عودة بعض الدول إلى التراجع عن التخفيضات الطوعية إلى إضافة نحو مليون برميل يومياً إضافياً في 2026، ما قد يضع سقفاً لمكاسب الأسعار خلال النصف الأول من العام المقبل.
المخزونات العائمة في آسيا تثير القلق
وفي تطور موازٍ، أشارت تقارير ملاحية إلى أن حجم النفط الخام المخزَّن على متن السفن في المياه الآسيوية قد تضاعف خلال الأسابيع الأخيرة، بعد أن أدت تشديدات العقوبات الغربية إلى تعقيد مسارات التصدير إلى الصين والهند.
وتثير هذه الظاهرة القلق من احتمالية زيادة الفائض في المعروض العالمي خلال الأسابيع المقبلة، مما قد يُضعف أي دعم سعري ناجم عن العقوبات.
ويرى مراقبون أن زيادة المخزونات العائمة تمثل إشارة تحذيرية على أن الأسواق تواجه صعوبة في امتصاص الإنتاج الإضافي، خاصة في ظل تباطؤ الطلب الصناعي في آسيا وتراجع نشاط المصافي خلال الشتاء.
العوامل الجيوسياسية تدعم الأسعار مؤقتاً
رغم الضغط من جانب المعروض، فإن بعض العوامل الجيوسياسية توفر أرضية دعم مؤقتة لأسعار النفط.
فالتوترات المتزايدة في البحر الأسود والخليج العربي، إلى جانب استمرار النزاعات الإقليمية في الشرق الأوسط، ترفع منسوب المخاطر الجيوسياسية التي تدفع المتداولين إلى تسعير علاوة خطر إضافية على الخام.
وفي الوقت ذاته، عزّزت التطورات الإيجابية في الولايات المتحدة – خاصةً اقتراب نهاية أطول إغلاق حكومي في تاريخها – من معنويات المستثمرين، حيث وافق مجلس الشيوخ على تسوية لإعادة التمويل الاتحادي، وهو ما خفف الضغوط على الأسواق المالية وساهم في تحسن شهية المخاطرة.
تأثير الإغلاق الحكومي الأميركي على أسعار النفط
أنهى مجلس الشيوخ الأميركي مساء الاثنين أزمة الإغلاق الحكومي بعد أسابيع من الجمود السياسي، الأمر الذي أراح الأسواق وأعاد التفاؤل بإمكانية استئناف الإنفاق الفيدرالي على مشاريع البنية التحتية والطاقة.
غير أن النفط لم يستفد بشكل كبير من هذا التطور، لأن المخاوف المتعلقة بفائض المعروض لا تزال تتغلب على العوامل الإيجابية قصيرة المدى.
ويرى محللون في بنك “مورغان ستانلي” أن إنهاء الإغلاق قد يعيد بعض الطلب الحكومي على المشتقات النفطية خلال الأسابيع المقبلة، إلا أن ذلك لن يكون كافياً لتعويض الزيادة في إنتاج أوبك+ أو التباطؤ في الطلب الصيني.
توقعات الأسعار خلال الربع الأول من 2026
تشير التقديرات الحالية إلى أن أسعار خام برنت قد تتراوح بين 63 و68 دولاراً للبرميل خلال الربع الأول من العام المقبل، مع احتمال تسجيل تقلبات واسعة في حال توسعت العقوبات أو حدثت اضطرابات في الإمدادات.
ويرى بعض المحللين أن نطاق التداول الحالي يعكس حالة “توازن هش” بين قوى الدعم والضغط في السوق.
وفي حال تراجعت المخزونات الأميركية الأسبوعية، أو أظهر الطلب الآسيوي إشارات تحسن موسمي، فقد يشهد السوق ارتداداً مؤقتاً فوق مستوى 70 دولاراً للبرميل. أما في السيناريو السلبي، فإن تجاوز المعروض العالمي لحاجز 104 ملايين برميل يومياً قد يدفع الأسعار إلى الهبوط دون 60 دولاراً.
التحديات المستقبلية لسوق النفط العالمي
تواجه أسواق النفط العالمية تحديات هيكلية على المدى المتوسط، أبرزها التباطؤ الاقتصادي في الاقتصادات الكبرى، وتزايد التحول نحو الطاقة المتجددة، إلى جانب الضغوط التنظيمية البيئية.
وفي هذا السياق، أشار تقرير لوكالة الطاقة الدولية إلى أن نمو الطلب العالمي على النفط قد يتباطأ إلى أقل من مليون برميل يومياً في عام 2026، مقارنة بـ 2.3 مليون في عام 2024.
ويحذر التقرير من أن استمرار الاستثمار المنخفض في الاستكشاف والإنتاج داخل الدول غير الأعضاء في أوبك قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسعار مستقبلاً، إذا لم تتمكن الأسواق من موازنة المعروض مع الطلب المتوقع.
توازن هش بين السياسة والاقتصاد
يبدو أن سوق النفط يسير حالياً على خيط رفيع بين ضغوط المعروض والدعم الجيوسياسي. فالعقوبات الأميركية على روسيا تمنح الأسعار دعماً مؤقتاً، لكنها في الوقت ذاته تعيد هيكلة تدفقات الطاقة في آسيا وأوروبا.
وفي المقابل، تظل سياسة أوبك+ الإنتاجية العامل الأكثر تأثيراً في تحديد الاتجاه العام للأسعار خلال الأشهر القادمة.
وبينما تسعى بعض الدول المنتجة لتعويض خسائر الإيرادات عبر زيادة الصادرات، تعمل أخرى على الحفاظ على مستويات إنتاج أكثر تحفظاً لدعم الأسعار.
هذا التباين في المواقف يجعل السوق عرضة لتقلبات مفاجئة في الأسعار، خصوصاً مع اقتراب موسم الشتاء الذي قد يشهد تغيرات حادة في الطلب على الوقود.
تنويه: يعتمد هذا التحليل على البيانات المتاحة حتى تاريخ 11 نوفمبر 2025، وقد تتغير التقديرات وفق المستجدات الجيوسياسية والاقتصادية.






















