النفط يتراجع بعد أنباء عن اقتراح أميركي لإنهاء حرب أوكرانيا وسط مخاوف فائض المعروض
شهدت أسعار النفط العالمية يوم الأربعاء 19 نوفمبر/ تشرين الثاني تراجعاً حاداً، بعدما تسربت أنباء عن مقترح أميركي
لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، في تطور أعاد تسليط الضوء على المخاطر الجيوسياسية التي تدعم الأسعار منذ اندلاع النزاع،
وفي المقابل أبرز هشاشة السوق أمام الضغوط الناجمة عن فائض المعروض وارتفاع المخزونات.
وتراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1.81 دولار، أي ما يعادل 2.8% لتستقر عند 63.08 دولار للبرميل،
بعد جلسة سابقة شهدت ارتفاعاً بنسبة 1.1%. كما انخفضت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنحو 1.74 دولار،
أو ما يعادل 2.86% إلى نحو 59 دولاراً للبرميل، بعد مكاسب بلغت 1.4% في جلسة أمس الثلاثاء،
ما يعكس تحوّلاً سريعاً في معنويات المتعاملين مع تغير المعطيات الجيوسياسية.
الاقتراح الأميركي لإنهاء الحرب يبدل معادلة المخاطر
الأنباء القادمة من كييف والتي تحدثت عن تلقي أوكرانيا “مؤشرات” حول مجموعة مقترحات أميركية لإنهاء الحرب،
تُعد عاملاً جديداً في معادلة تسعير النفط، إذ ينظر المستثمرون إلى النزاع الروسي الأوكراني على أنه أحد أهم مصادر
المخاطر الجيوسياسية التي تهدد إمدادات الطاقة، سواء عبر صادرات روسيا من الخام والمنتجات النفطية، أو عبر اضطراب مسارات
النقل والتصدير في البحر الأسود والموانئ الحيوية.
وبحسب تصريحات لمسؤول أوكراني كبير، فإن واشنطن ناقشت مع موسكو مجموعة من الأفكار لوقف الحرب، في وقت يستعد فيه
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لإجراء محادثات في تركيا، على أن يلتقي لاحقاً بمسؤولين من الجيش الأميركي في كييف
في محاولة لتجديد مفاوضات السلام. هذه الخطوات السياسية، حتى لو كانت في مرحلة “المقترحات” فقط، كافية لتدفع السوق
إلى إعادة تقييم “العلاوة الجيوسياسية” المضافة إلى أسعار النفط خلال السنوات الماضية.
تراجع علاوة المخاطر المفروضة على أسعار النفط
كان النزاع في أوكرانيا منذ اندلاعه عام 2022 أحد أهم المحركات التي رفعت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة،
بسبب المخاوف من تعطل الإمدادات الروسية التي تعد جزءاً محورياً من السوق العالمية. ومع تزايد الحديث عن إمكانية
الانتقال إلى مسار تفاوضي، تتقلص تلك المخاوف جزئياً، ما ينعكس في صورة ضغوط بيعية على عقود النفط الآجلة،
حيث يتوقع المستثمرون أن يؤدي أي اتفاق محتمل إلى تخفيف القيود على تدفقات الخام الروسي مستقبلاً أو على الأقل
استقرارها بعيداً عن سيناريوهات التصعيد.
ويرى أولي هانسن، مدير قسم استراتيجية السلع الأولية في ساكسو بنك، أن نجاح محادثات السلام من شأنه أن يقلل
من المخاطر المرتبطة بالإمدادات، وهو ما يسمح للسوق بالتركيز أكثر على ديناميكيات العرض والطلب الحالية،
والتي تميل حالياً لمصلحة فائض المعروض. هذا التحوّل في بوصلة الاهتمام من الجيوسياسة إلى أساسيات السوق
هو ما يفسر جزئياً حدة التراجع في الأسعار بمجرد تسرب الأنباء عن المقترح الأميركي.
فائض المعروض وضغط المخزونات الأميركية
بالتوازي مع التطورات السياسية، تواصل عوامل فائض المعروض الضغط على أسعار النفط. فقد كشفت بيانات معهد البترول
الأميركي، بحسب مصادر في السوق، عن ارتفاع مخزونات الخام في الولايات المتحدة بنحو 4.45 مليون برميل
خلال الأسبوع المنتهي في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني، بالتزامن مع زيادة مخزونات البنزين بنحو 1.55 مليون برميل
ونواتج التقطير بنحو 577 ألف برميل.
هذه الأرقام تشير إلى أن الطلب الفعلي على الوقود في أكبر اقتصاد في العالم لا ينمو بالوتيرة الكافية لامتصاص المعروض،
في وقت تستمر فيه طاقة التكرير في توفير كميات كبيرة من المنتجات النفطية، كما أن التباطؤ النسبي في بعض القطاعات
الصناعية والنقل يضغط على الطلب على الديزل وزيت الغاز، وهو ما ظهر في انخفاض عقود زيت الغاز الآجلة
بعد مكاسب قوية في الجلسات السابقة.
العقوبات الأميركية على روسنفت ولوك أويل: تأثير محدود على الإنتاج
تزيد المشهد تعقيداً العقوبات الأميركية المفروضة على شركتي روسنفت ولوك أويل الروسيتين، والتي تم الإعلان عنها في أكتوبر/
تشرين الأول رداً على تعثر محادثات السلام. ورغم أن وزارة الخزانة الأميركية تشير إلى أن هذه العقوبات تضغط بالفعل
على إيرادات النفط الروسية، فإن نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك أكد أنها لم تؤثر على إنتاج النفط في البلاد.
ويُظهر هذا التباين أن روسيا نجحت في إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها من الخام والمنتجات إلى أسواق بديلة،
على رأسها الصين والهند، رغم القيود المفروضة من الغرب. إلا أن العقوبات حددت موعداً نهائياً في 21 نوفمبر/ تشرين الثاني
أمام الشركات العالمية لإنهاء تعاملاتها مع روسنفت ولوك أويل، ما يخلق حالة من عدم اليقين على المدى القصير
حول شكل التدفقات التجارية بعد هذا التاريخ، وإن كانت الأسواق بدأت بالفعل في التكيّف عبر البحث عن بدائل.
تحول المشترين في آسيا إلى بدائل جديدة
تشير التقارير إلى أن المشترين في الصين والهند بدأوا في التحول لمصادر بديلة للإمدادات، مستفيدين من شبكة واسعة
من المنتجين في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية. هذا التحوّل يساعد على تقليص اعتمادهم النسبي على النفط الروسي،
وفي الوقت نفسه يوفر لروسيا قدرة على إعادة تسعير نفطها بخصومات تنافسية للحفاظ على حصتها السوقية.
لكن هذه الديناميكية تضيف عنصراً آخر من الضغط على الأسعار العالمية؛ إذ إن توفر بدائل متعددة أمام كبار المستوردين
يقلل من قدرة أي منتج منفرد على فرض أسعار أعلى، خاصة في ظل تباطؤ نمو الطلب العالمي وتزايد إنتاج النفط من دول
غير أعضاء في أوبك، ما يساهم في تعزيز صورة السوق كـ”سوق يعاني من تخمة معروض” على الأقل في الأجل القريب.
المضاربون يعيدون تموضعهم في سوق النفط
التغير السريع في التوازن بين المخاطر الجيوسياسية وفائض المعروض دفع المضاربين ومديري الصناديق إلى إعادة
تموضع مراكزهم في سوق العقود الآجلة. فبعد مرحلة شهدت عمليات شراء مكثفة على أساس توقعات بارتفاع الأسعار
مدفوعة بتوترات جيوسياسية متزايدة، جاءت الأنباء عن المقترح الأميركي لإنهاء الحرب لتدفع كثيراً من هؤلاء إلى
جني الأرباح وتقليص مراكزهم الطويلة.
ومع تزايد الإشارات على ارتفاع المخزونات وضعف هوامش المصافي في بعض المناطق، اتسعت مساحة الحذر لدى المستثمرين،
خاصة أولئك الذين يركزون على المدى القصير، ما ساهم في تكثيف الضغوط البيعية وجعل تراجع الأسعار أكثر حدة
من المتوقع في جلسة واحدة.
سيناريوهات أسعار النفط في حال تقدم محادثات السلام
إذا ما حققت مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا تقدماً ملموساً في الأسابيع المقبلة، فمن المرجح أن تتراجع العلاوة
الجيوسياسية على أسعار النفط بشكل أكبر، ما قد يدفع خام برنت للبقاء ضمن نطاق سعري أقرب إلى مستويات الستين دولاراً
للبرميل على المدى القصير، مع ميل ضاغط نحو الهبوط في حال استمرار البيانات التي تشير إلى فائض في المعروض.
في المقابل، لا يمكن استبعاد سيناريو معاكس، يتمثل في تعثر المفاوضات أو تجدد التصعيد الميداني، وهو ما من شأنه
أن يعيد المخاوف بشأن الإمدادات إلى الواجهة ويغذي موجة جديدة من ارتفاع الأسعار. وبين هذين السيناريوهين،
تظل سوق النفط شديدة الحساسية للأخبار السياسية، في وقت يحتاج فيه المستثمرون إلى قراءة متوازنة تجمع بين
المشهد الجيوسياسي والأساسيات الفعلية للسوق.
دور أوبك+ في موازنة السوق
في ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار أيضاً إلى تحركات تحالف أوبك+، الذي يضم منظمة الدول المصدّرة للنفط وشركاء من خارجها،
بقيادة روسيا. ففي حال تراجعت الأسعار إلى مستويات ينظر إليها المنتجون على أنها غير عادلة أو تهدد موازناتهم العامة،
قد يعيد التحالف النظر في مستويات الإنتاج أو يمدد العمل بالتخفيضات الطوعية القائمة، في محاولة لاستعادة
توازن السوق ودعم الأسعار.
لكن قدرة أوبك+ على التأثير في الأسعار تصطدم أيضاً بتنامي إنتاج النفط من دول أخرى مثل الولايات المتحدة
وبعض المنتجين في أميركا اللاتينية وأفريقيا، إلى جانب تطور مصادر الطاقة البديلة. لذلك يبقى تأثير قرارات التحالف
قوياً، لكنه ليس حاسماً بمفرده كما كان في عقود سابقة.
توقعات المستثمرين: بين حذر قصير الأجل وترقب بعيد المدى
على المدى القصير، يبدو أن حركة أسعار النفط ستظل أسيرة الأخبار الواردة من جبهة محادثات السلام،
إلى جانب البيانات الأسبوعية للمخزونات الأميركية وأرقام الطلب على الوقود في الاقتصادات الكبرى. أما على المدى المتوسط
والطويل، فستعود العوامل البنيوية، مثل الاستثمارات في قطاع الطاقة التقليدية والتحول نحو الطاقة المتجددة
والسياسات البيئية، لتحدد المسار العام للأسعار.
ويواجه المستثمرون معضلة مزدوجة: فمن جهة، قد يؤدي أي تقدم نحو إنهاء الحرب في أوكرانيا إلى تخفيف المخاطر
ودفع الأسعار نحو مستويات أدنى، ومن جهة أخرى، لا يزال خطر الانقطاعات المفاجئة في الإمدادات قائماً
في مناطق أخرى من العالم، إضافة إلى احتمال ظهور صدمات طلب جديدة في حالة تغير مسار النمو الاقتصادي العالمي.
تحركات المتعاملين في أسواق المشتقات والمنتجات النفطية
إلى جانب سوق العقود الآجلة للخام، شهدت أسواق المنتجات النفطية هي الأخرى تذبذبات ملحوظة،
حيث انخفضت عقود زيت الغاز الآجلة بعد مكاسب قوية سابقة، في إشارة إلى أن السوق تعيد تقييم توقعات الطلب
على الوقود الصناعي ووقود الشحن. هذا التراجع يضيف طبقة جديدة من الضغوط على أسعار الخام،
إذ إن انخفاض هوامش التكرير قد يدفع المصافي إلى خفض معدلات التشغيل، وهو ما يقلل استهلاك الخام الخام
في الأجل القصير.
ويتابع المتعاملون أيضاً منحنيات الأسعار الآجلة (Forward Curves) لرصد ما إذا كانت السوق ستستمر في حالة “الكونتانغو”
حيث تكون الأسعار الآجلة أعلى من الفورية، ما يشجع على التخزين، أو ستعود إلى حالة “الباكوارديشن” التي تعكس نقصاً في المعروض.
حالياً، تشير بيانات المخزونات والضعف النسبي في الطلب إلى ميل نحو هيكلية سوق ذات معروض وفير،
لكن أي تغير في العوامل الجيوسياسية قد يقلب هذه الصورة بسرعة.
خلاصة: سوق نفط على مفترق طرق
في المحصلة، يعكس التراجع الأخير في أسعار النفط العالمية حجم حساسية السوق للأخبار السياسية،
وفي الوقت نفسه يسلّط الضوء على الدور المحوري لعوامل العرض والطلب والمخزونات في تشكيل الاتجاه العام للأسعار.
فالأنباء عن مقترح أميركي لإنهاء الحرب في أوكرانيا قلّصت العلاوة الجيوسياسية، بينما كشفت بيانات معهد البترول الأميركي
عن استمرار ضغوط فائض المعروض، في مشهد يدفع المستثمرين إلى تبنّي قدر أكبر من الحذر في بناء مراكزهم.
وبينما يترقب العالم نتائج أي تحرك دبلوماسي قد يضع حداً لأحد أطول النزاعات في أوروبا منذ عقود،
تبقى أسواق الطاقة على مفترق طرق: إما طريق سلام يفتح الباب أمام استقرار تدريجي في الإمدادات والأسعار،
وإما عودة إلى مربع التصعيد الذي قد ينعش موجة جديدة من الارتفاعات، مع ما تحمله من تداعيات على التضخم
والنمو الاقتصادي العالمي. وفي كلا الحالتين، يبدو أن مرحلة التقلبات الحادة في سوق النفط لم تنته بعد.






















