الذهب عند ذروة 3 أسابيع وسط مخاوف الديون الأميركية وتوقعات خفض الفائدة
ارتفعت أسعار الذهب إلى أعلى مستوى لها منذ أكثر من ثلاثة أسابيع في وقت يتزايد فيه القلق بشأن مسار الديون الأميركية بعد إنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة. ومع تزايد التوقعات بأن يستمر مجلس الاحتياطي الفدرالي في خفض أسعار الفائدة، يجد الذ هب—الأصل الآمن التقليدي—دعماً إضافياً يسمح له بمواصلة التحليق في مستويات تاريخية.
ضبابية سياسية واقتصادية تدفع المستثمرين نحو الذهب
جاء صعود أسعار الذ هب يوم الخميس 13 نوفمبر/ تشرين الثاني ليعكس تفاعلاً مباشراً مع المخاطر الاقتصادية والسياسية المتراكمة في الولايات المتحدة. فبعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تشريع ينهي إغلاقاً حكومياً استمر 43 يوماً، برزت مخاوف جديدة حول ارتفاع الدين العام الذي يُتوقع أن يزيد بنحو 1.8 تريليون دولار سنوياً، ليصل إلى مستويات غير مسبوقة تتجاوز 38 تريليون دولار.
هذه التطورات أعادت إشعال شهية المستثمرين نحو الأصول الآمنة، خاصة في ظل استمرار تراجع البيانات الاقتصادية الأميركية نتيجة تعطّل التقارير الرسمية أثناء فترة الإغلاق الحكومي. ويقول المحللون إن الأسواق العالمية تواجه حالياً «مرحلة فراغ معلوماتي» قد تستمر حتى صدور تقارير الوظائف والتضخم المتأخرة.
بيئة أسعار الفائدة المنخفضة تعزز مكانة الذهب
أحد العوامل الأساسية التي ساعدت في دعم أسعار الذهب هو تزايد رهانات الأسواق على قيام الاحتياطي الفدرالي بخفض جديد لسعر الفائدة خلال الشهر المقبل. وبحسب استطلاع أجرته رويترز، يتوقع 80% من خبراء الاقتصاد أن يقدم البنك المركزي على خفض جديد بواقع 25 نقطة أساس، خاصة مع استمرار ضعف سوق العمل وغياب بيانات دقيقة تتيح صناع السياسة اتخاذ قرارات أكثر توازناً.
الذهب—الذي لا يدر عائداً مباشراً—يزدهر تقليدياً في بيئة أسعار الفائدة المنخفضة، حيث يصبح أكثر جاذبية مقارنة بالأصول الأخرى المدرة للعوائد. ومع زيادة التوقعات بأن الفدرالي سيواصل نهج التيسير خلال الأشهر المقبلة، تزداد احتمالات أن يحقق الذ هب قمماً جديدة خلال الربع الأخير من عام 2025.
التضخم والوظائف: بيانات حاسمة تنتظرها الأسواق
أدى الإغلاق الحكومي الطويل إلى تأخير إصدار بيانات اقتصادية محورية، أبرزها تقارير الوظائف والتضخم، ما جعل الأسواق تتحرك وسط ضبابية غير مسبوقة. ويرى محللون أن نشر هذه البيانات خلال الأسابيع المقبلة سيكون بمثابة نقطة تحول، إما بتأكيد الحاجة لمزيد من التيسير النقدي، أو بتخفيف الضغط على الفدرالي إذا جاءت الأرقام أعلى من المتوقع.
لكن حتى اللحظة، تشير المؤشرات الأولية إلى ضعف النمو وركود في سوق العمل، وهما عاملان تاريخياً يمنحان أسعار الذ هب قوة إضافية.
ارتفاعات مدفوعة بالطلب الفعلي والملاذات الآمنة
لم يكن الارتفاع الأخير في أسعار الذهب دعماً مضاربياً فقط، بل جاء مدعوماً بزيادة ملحوظة في الطلب الفعلي على المعدن، بحسب تصريحات هوغو باسكال، تاجر المعادن النفيسة لدى “إن بروفد”. فقد أكد أن الطلب على الذ هب والفضة لا يزال قوياً، مدفوعاً بزيادة الإقبال من المستثمرين العالميين وصناديق التحوط والبنوك المركزية التي تواصل تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر.
وإلى جانب الذ هب، شهدت الفضة أيضاً حركة صعود قوية تجاوزت 0.6% لتسجل 53.70 دولار للأونصة، مقتربة من أعلى مستوى تاريخي لامسته في أكتوبر الماضي.
أداء الذهب منذ مطلع العام: مكاسب تاريخية
منذ بداية عام 2025، حقق الذهب قفزة هائلة بلغت 61% ليصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق عند 4381 دولاراً في 20 أكتوبر. وتعود هذه المكاسب الضخمة إلى مجموعة من العوامل المترابطة أهمها:
- تصاعد التوترات الجيوسياسية، خصوصاً في الشرق الأوسط وأوروبا.
- الضبابية المالية الناجمة عن الإغلاق الحكومي الأميركي.
- تباطؤ النمو العالمي وزيادة توقعات الركود.
- التوقعات المتواترة بخفض أسعار الفائدة الأميركية.
- زيادة مشتريات البنوك المركزية من الذهب كجزء من استراتيجيات التحوّط من الدولار والديون الأميركية.
هذه العوامل مجتمعة جعلت الذهب يتصدر قائمة الأصول الأفضل أداءً في 2025، متفوقاً على الأسهم الأميركية والأوروبية وحتى على عدة فئات من الأصول الرقمية.
مخاوف الديون الأميركية: عامل ضغط طويل الأجل
يشير خبراء الاقتصاد إلى أن ملف الديون الأميركية قد يكون العامل الأكثر تأثيراً على أسعار الذهب على المدى المتوسط والطويل. فمع تجاوز الديون 38 تريليون دولار، وزيادة الفجوة بين الإيرادات والإنفاق الفيدرالي، تتصاعد المخاطر المرتبطة بقدرة واشنطن على الاستمرار في تمويل إنفاقها دون اللجوء إلى رفع الضرائب أو خفض الإنفاق—وهما عاملان قد يؤثران على الاقتصاد الأميركي بشكل مباشر.
ومع كل زيادة في الدين العام، ترتفع توقعات الأسواق بأن يتجه الفدرالي إلى خفض الفائدة للحفاظ على قابلية خدمة الدين، وهو ما يصب مباشرة في مصلحة الذهب.
سياسات ترامب الاقتصادية وتأثيرها على الذهب
توقيع الرئيس دونالد ترامب على قرار إنهاء الإغلاق الحكومي لا يعني نهاية التحديات المالية، إذ يرى محللون أن إدارته تميل إلى زيادة الإنفاق في بنود الدفاع والبنية التحتية، ما قد يفاقم العجز المالي ويزيد الضغط على الدولار الأميركي. هذا بدوره قد يرفع جاذبية الذهب باعتباره بديلاً آمناً للعملة الأميركية.
التوقعات المستقبلية: هل يصل الذهب إلى قمة جديدة؟
مع اقتراب الذهب من مستويات 4300 دولار مجدداً، تتزايد التساؤلات عن مدى إمكانية اختراقه القمة التاريخية الأخيرة البالغة 4381 دولاراً. ويرى محللو البنوك الاستثمارية مثل UBS وGoldman Sachs أن الاتجاه الصاعد لا يزال قوياً، وأن أي تباطؤ إضافي في النمو الأميركي أو خفض جديد للفائدة قد يدفع الذهب بسهولة نحو نطاق 4500–4600 دولار قبل نهاية العام.
كما أن استمرار مشتريات البنوك المركزية، خاصة في آسيا والشرق الأوسط، يشكل دعامة قوية للسوق، إذ تشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن البنوك المركزية سجلت أعلى مستوى من مشتريات الذهب منذ نصف قرن خلال العامين الماضيين.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
بينما يواصل الذهب صعوده، تتباين حركة المعادن النفيسة الأخرى:
- الفضة: ارتفعت 0.6% لتصل إلى 53.70 دولار للأونصة، وتقترب من قمم تاريخية.
- البلاتين: تراجع 0.1% ليسجل 1613 دولاراً للأونصة.
- البلاديوم: هبط 0.5% إلى 1466 دولاراً للأونصة.
ويُرجع المحللون هذا التباين إلى اختلاف ديناميات العرض والطلب لكل معدن، إضافة إلى تغيّر التوقعات المتعلقة بالصناعة والتكنولوجيا التي تستخدم هذه المعادن بشكل رئيسي.
الذهب في موقع قوة غير مسبوق
تؤكد المعطيات الحالية أن أسعار الذهب تواصل التحرك ضمن مسار صاعد مدعوم بمزيج استثنائي من المخاطر السياسية والاقتصادية، وتوقعات خفض الفائدة، وتحولات الطلب الاستثماري والفعلي. ومع استمرار عدم اليقين في الولايات المتحدة، لا سيما في ملفي الديون والنمو الاقتصادي، يظل الذهب الخيار الأول للمستثمرين الباحثين عن الاستقرار والتحوط.
وفي حال جاء قرار الفيدرالي المقبل بخفض جديد للفائدة أو إذا صدرت بيانات اقتصادية ضعيفة، قد نشهد انطلاقة جديدة للذهب نحو قمم تاريخية غير مسبوقة، ما يجعل عام 2025 عاماً مفصلياً في أسواق المعادن النفيسة.






















