البلاتين يتجه لأكبر مكسب شهري في 39 عاماً بدعم تحول مفاجئ في سياسة الاتحاد الأوروبي للسيارات
يشهد سوق البلاتين واحدة من أقوى موجات الصعود في تاريخه الحديث، بعدما أصبح المعدن النفيس على أعتاب تسجيل
أكبر مكسب شهري له منذ عام 1986، مدعوماً بتغير جذري في سياسة الاتحاد الأوروبي الخاصة بمحركات
الاحتراق الداخلي، إلى جانب شح المعروض وارتفاع الطلب الاستثماري على المعادن الثمينة.
تحول أوروبي مفاجئ يعيد البلاتين إلى قلب صناعة السيارات
الشرارة الرئيسية لهذا الصعود جاءت من إعلان الاتحاد الأوروبي في ديسمبر عن تراجع فعلي – أو على الأقل
إعادة صياغة – خطته السابقة بحظر محركات الاحتراق الداخلي بحلول عام 2035.
هذا التحول منح أسواق المعادن البلاتينية دفعة قوية، إذ تعتمد هذه المحركات بشكل أساسي على
البلا تين والبلاديوم في أنظمة المحفزات الحفازة التي تقلل الانبعاثات.
محللو بنك Mitsubishi وصفوا القرار الأوروبي بأنه بمثابة
“حقنة منشطات لمجموعة معادن البلا تين”، موضحين أن تمديد استخدام محركات الاحتراق – حتى وإن كان غير محدد
الإطار الزمني – يعني استمرار الطلب على هذه المعادن لسنوات أطول مما كان متوقعاً.
معايير انبعاثات أشد… واستهلاك أعلى للبلاتين
لا يقتصر الأثر الإيجابي على مجرد تمديد عمر محركات الوقود التقليدي، بل يتجاوز ذلك إلى فرض
معايير انبعاثات أكثر صرامة داخل الاتحاد الأوروبي.
هذه المعايير تتطلب تحميلات أعلى من معادن مجموعة البلا تين داخل أنظمة العادم، ما يعني
زيادة استهلاك البلا تين لكل سيارة منتجة.
وبحسب تقديرات السوق، فإن أي تشديد إضافي في المعايير البيئية قد يرفع الطلب الصناعي على البلا تين
بنسب مزدوجة خلال السنوات القليلة المقبلة، في وقت يعاني فيه السوق أصلاً من قيود على جانب العرض.
أرقام قياسية: صعود تاريخي في ديسمبر 2025
ارتفعت أسعار البلاتين بنحو 33% منذ بداية ديسمبر وحده،
وهو أقوى أداء شهري منذ ما يقرب من أربعة عقود.
وسجل المعدن مستوى قياسياً جديداً عند 2,478.50 دولار للأونصة.
وعلى أساس سنوي، يتجه البلاتين لإنهاء عام 2025 بمكاسب تقارب 146%،
وهو أعلى نمو سنوي مسجل في تاريخه الحديث.
زخم يشمل البلاديوم والروديوم
لم يكن البلاتين وحده المستفيد من هذه الطفرة، إذ حقق البلاديوم مكاسب تقترب من 80%
منذ بداية العام، بينما صعد الروديوم بنحو 95%.
هذا الأداء الجماعي يعكس عودة قوية لمجموعة معادن البلاتين بعد سنوات من الضغوط المرتبطة
بالتحول السريع نحو السيارات الكهربائية.
الذهب والفضة يدعمان المشهد العام للمعادن
تزامن صعود البلاتين مع موجة ارتفاع واسعة في سوق المعادن النفيسة،
حيث سجل الذهب والفضة مستويات قياسية جديدة بدعم من:
- حالة عدم اليقين الجيوسياسي العالمي
- مخاوف الرسوم الجمركية الأميركية
- تزايد التوقعات بخفض أسعار الفائدة الأميركية في 2026
هذا المناخ عزز الإقبال الاستثماري على المعادن كملاذات آمنة،
ما وفر دعماً إضافياً للبلاتين رغم طبيعته الصناعية.
شح المعروض وتخزين دفاعي في الأسواق الفعلية
من ناحية العرض، استفاد البلاتين والبلاديوم من
عمليات تخزين دفاعية في الأسواق الفعلية،
خصوصاً في أوروبا وآسيا، مع قيام شركات ومصانع بتأمين إمداداتها
تحسباً لأي اضطرابات مستقبلية.
كما أدت عمليات سحب المعدن من الأسواق الإقليمية باتجاه الولايات المتحدة
إلى تشديد المعروض، بعد إدراج واشنطن لمجموعة معادن البلاتين
ضمن قائمة المعادن الحرجة.
الصين تدخل بقوة عبر العقود الآجلة
إضافة إلى ذلك، شكّل إطلاق تداول العقود الآجلة لمجموعة معادن البلاتين
في الصين قبل شهر تقريباً عاملاً داعماً جديداً للأسعار.
فالصين، كونها ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مستهلك لهذه المعادن،
تفتقر تاريخياً إلى أدوات تحوط محلية فعالة.
العقود الجديدة جذبت تدفقات مضاربية قوية،
ما دفع بورصة قوانغتشو للعقود الآجلة إلى تعديل حدود التحرك السعري
لمواجهة التقلبات الحادة.
الرسوم الأميركية… عامل الحسم القادم
رغم هذا الزخم القوي، يرى محللو Macquarie أن الاختبار الحقيقي
لسوق البلاتين قد يأتي بعد اتضاح الرؤية بشأن الرسوم الجمركية الأميركية،
المتوقع أن تتبلور تفاصيلها خلال يناير المقبل.
وفي حال استمر الطلب الصيني المرتفع على الواردات الفعلية،
فإن السوق قد يواجه مرحلة جديدة من نقص الإمدادات،
ما يفتح الباب أمام موجة صعود إضافية في 2026.
البلاتين لم يعد مجرد معدن صناعي ثانوي في ظل التحول نحو الطاقة النظيفة،
بل عاد بقوة إلى دائرة الضوء مع تغير السياسات الأوروبية،
وتشديد المعايير البيئية، وعودة المستثمرين إلى المعادن الثمينة.
ومع اجتماع عوامل الطلب الصناعي، والاستثماري، وشح المعروض،
يبدو أن سوق البلاتين يدخل مرحلة تاريخية قد تعيد رسم خريطة
مجموعة معادن البلاتين خلال السنوات المقبلة.






















