ارتفاع الأسهم العالمية وتراجع الدولار مع ترقب خفض الفائدة الفيدرالية
تشهد الأسواق العالمية موجة من التفاؤل الحذر مع اقتراب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، حيث يتوقع المستثمرون إعلان خفض جديد في أسعار الفائدة،
وهو ما دفع الأسهم العالمية للارتفاع بينما تعرض الدولار لضغوط ملحوظة، في الوقت الذي تواصل فيه المعادن الصناعية والنفيسة تحقيق مكاسب قوية بقيادة النحاس والذهب.
هذه التطورات تأتي في لحظة حساسة تشهد توتراً في أسواق السندات العالمية، وخاصة في اليابان، مع تصاعد توقعات رفع الفائدة من جانب بنك اليابان لأول مرة منذ سنوات طويلة.
وبينما تتقاطع التحركات في أسواق الأسهم والعملات والسندات والسلع، تبدو الأسواق العالمية أمام مرحلة جديدة من إعادة التسعير،
حيث يعيد المستثمرون تموضعهم استباقاً لمسار السياسة النقدية خلال 2026، مع تقييم احتمالات التباطؤ الاقتصادي مقابل التضخم الذي لا يزال يتراجع ببطء.
كل ذلك جعل ملف خفض الفائدة الفيدرالية هو العنوان الأبرز للمستثمرين حول العالم.
الأسهم العالمية تتجه لمكاسب أسبوعية جديدة
ارتفعت الأسهم العالمية يوم الجمعة، مقتربة من ثاني أسبوع على التوالي من المكاسب، مستفيدة من رهان قوي بأن الاحتياطي الفيدرالي يستعد لتقديم خفض جديد للفائدة الأسبوع المقبل.
وارتفع مؤشر ستوكس 600 الأوروبي بنسبة 0.3%، مدعوماً بصعود أسهم التعدين بعد الارتفاع القياسي لأسعار النحاس.
أما العقود الآجلة للأسهم الأميركية فقد أشارت إلى افتتاح إيجابي، حيث صعدت العقود المرتبطة بمؤشر ستاندرد آند بورز وناسداك بين 0.2% و0.3%.
ويرى المحللون أن حالة الاستقرار النسبي في أسواق الأسهم ليست سوى الهدوء الذي يسبق العاصفة،
إذ إن الأسواق ما تزال تترقب تقرير التضخم المفضل لدى الفيدرالي، وهو مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي (PCE)،
الذي من المتوقع أن يظهر تباطؤاً جديداً في وتيرة نمو الأسعار، مما يعزز توجه البنك المركزي نحو خفض الفائدة الفيدرالية.
أسواق السندات تحت الضغط… واليابان في الواجهة
شهدت السندات الحكومية العالمية أسبوعاً متقلباً، إلا أن السندات اليابانية كانت الأكثر لفتاً للانتباه،
بعد أن قادت موجة بيع واسعة أوصلت عوائد السندات لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى منذ 2007.
كما سجلت السندات لأجل 30 عاماً مستويات قياسية جديدة، وذلك عقب إشارة قوية من بنك اليابان بإمكانية رفع الفائدة خلال اجتماعه المقبل.
وقال جيم ريد، استراتيجي دويتشه بنك، إن رفع الفائدة إلى 0.75% سيكون الأعلى منذ 1995،
وهو حدث ستكون له انعكاسات كبيرة على تدفقات رأس المال العالمية، خصوصاً أن ضعف الين خلال العامين الماضيين غذّى عمليات “الكاري تريد”.
تحركات الين والدولار… إعادة رسم للمشهد العالمي
تراجعت العملة الأميركية أمام الين الياباني، حيث وصل الدولار إلى 155.22 يناً، مبتعداً عن ذروته البالغة 157.9 يناً الأسبوع الماضي.
ورغم الارتفاع الطفيف للدولار في تعاملات الجمعة، إلا أن العملة الأميركية تتجه نحو تسجيل خسارة أسبوعية جديدة،
لتواصل بذلك أطول سلسلة تراجع منذ 2020، وذلك بفعل التوقعات المتزايدة بشأن خفض الفائدة الفيدرالية.
ويراهن المستثمرون على استمرار اتساع الفجوة في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، إلا أن تغير سياسة بنك اليابان قد يحد من سيطرة الدولار،
خصوصاً أن أي رفع للفائدة اليابانية يهدد استراتيجيات التمويل عبر الين والتي تُقدّر قيمتها بمليارات الدولارات في أسواق الأسهم والتكنولوجيا والعملات الرقمية.
الذهب يتألق… والنحاس يسجّل أعلى مستوى في تاريخه
في أسواق السلع، كانت المعادن هي محور الارتفاعات بقيادة النحاس الذي قفز إلى مستوى تاريخي بلغ 11,705 دولاراً للطن المتري.
وجاء هذا الارتفاع عقب قيام بنك “سيتي” برفع توقعاته للنحاس استناداً إلى مخاوف متزايدة حول المعروض العالمي،
بالإضافة إلى تحسن التوقعات الاقتصادية مع اقتراب خفض الفائدة الفيدرالية، الذي عادةً ما يدعم الطلب على السلع الصناعية.
أما الذهب، فقد استفاد من تراجع الدولار وتنامي حالة عدم اليقين، ليصعد فوق مستوى 4,221 دولاراً للأوقية.
كما حققت الفضة مكاسب تجاوزت 1.3% مع زيادة الطلب الاستثماري.
ويرى محللون أن الذهب بات يستعيد دوره كملاذ آمن في ظل تزايد حالة الضبابية بشأن السياسة النقدية الأميركية،
ومخاوف المستثمرين من أن يؤدي التباين بين أعضاء الفيدرالي إلى قرارات غير متوقعة خلال 2026.
تقرير التضخم الأميركي… كلمة السر قبل اجتماع الفيدرالي
تتجه الأنظار إلى قراءة مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي التي ستصدر خلال ساعات، وهو المؤشر الأكثر أهمية للفيدرالي في قياس مسار التضخم.
ويتوقع أن يرتفع المؤشر الأساسي بنسبة 0.2%، مع بقاء القراءة السنوية عند 2.9%، وهو مستوى لا يزال أعلى من هدف الفيدرالي البالغ 2%،
لكن الأسواق ترى أن الاتجاه العام كافٍ لدعم قرار خفض الفائدة الفيدرالية.
وكان تقرير طلبات إعانة البطالة قد سجل تراجعاً غير متوقع، مما خفّف المخاوف من تدهور سريع في سوق العمل،
رغم أن بعض الاقتصاديين حذروا من تأثير العطلات الأميركية على هذه البيانات.
هل يجرؤ الفيدرالي على اتخاذ القرار؟
ورغم أن الأسواق تسعّر بنسبة 90% خفضاً للفائدة خلال الاجتماع المقبل، إلا أن الانقسام الداخلي داخل الفيدرالي قد يجعل القرار أحد أكثر القرارات إثارة للجدل منذ سنوات.
فخمسة على الأقل من أعضاء لجنة السياسة النقدية أدلوا بتصريحات علنية تشير إلى معارضتهم لخفض جديد في الفائدة، معتبرين أن التضخم لا يزال مرتفعاً.
لكن المحافظين الداعمين للخفض يرون أن التشديد النقدي السابق كان كافياً، وأن الاستمرار في سياسة الفائدة المرتفعة قد يجرّ الاقتصاد الأميركي إلى تباطؤ حاد خلال 2026،
وهو سيناريو لا ترغب الأسواق في اختباره.
سيناريوهات ما بعد اجتماع الفيدرالي
هناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية يراقبها المستثمرون:
الأول: خفض الفائدة الفيدرالية بمقدار 25 نقطة أساس، مع الإشارة إلى احتمال خفضين إضافيين في 2026.
الثاني: خفض الفائدة دون تقديم أي توجيه مستقبلي، مما يخلق حالة من الغموض والتقلب.
الثالث: تثبيت الفائدة، وهو السيناريو الأقل احتمالاً لكنه قد يشعل موجة بيع ضخمة في الأسهم والذهب ويعزز الدولار بقوة.
محللو “سيتي” و”مورغان ستانلي” يرجحون السيناريو الأول، باعتباره الأكثر انسجاماً مع بيانات الاقتصاد الأخيرة،
ومع هدف الفيدرالي بالسيطرة على التضخم دون دفع الاقتصاد إلى ركود.
أسواق الطاقة… تذبذب محدود للنفط
شهدت أسعار النفط حركة محدودة، إذ استقرت عقود برنت قرب 63.2 دولاراً للبرميل، منخفضة بنحو 0.2% خلال الأسبوع.
ورغم تحسن المعنويات في بعض الأسواق، إلا أن ضعف الطلب الآسيوي وارتفاع مخزونات النفط الأميركية يكبحان أي محاولات صعود قوية.
وتترقب أسواق الطاقة أي إشارة من الفيدرالي، إذ إن قرار خفض الفائدة الفيدرالية قد ينعش الطلب العالمي على الوقود،
في وقت تستعد فيه الأسواق لدخول فصل الشتاء الذي عادة ما يشهد ارتفاعاً في استهلاك الطاقة.
العوامل المحرّكة للأسواق خلال الأسابيع المقبلة
إجمالاً، تبدو الأسواق العالمية أمام مرحلة انتقالية جديدة، حيث تتفاعل مع مزيج من:
– توقعات السياسة النقدية الأميركية
– عودة الين إلى الواجهة
– ارتفاع قياسي في النحاس
– تذبذب أسعار النفط
– مستويات جديدة للذهب
– إشارات التباطؤ في الاقتصاد الأميركي
وكل هذه الملفات تجعل ملف خفض الفائدة الفيدرالية هو مفتاح تحركات الأصول خلال ما تبقى من 2025 وبداية 2026،
مع توقعات بأن تحمل الفترة المقبلة تقلبات ممتدة وتغيرات هيكلية في تدفقات رأس المال.
ترى الأسواق اليوم أن العالم يقف عند نقطة تحول كبيرة،
ففيما ترتفع الأسهم ويواصل الذهب قفزاته وتتراجع أسعار الدولار،
تتجه الأنظار بالكامل إلى الاحتياطي الفيدرالي وهل سيكون مستعداً للمضي قدماً في خفض الفائدة الفيدرالية.
ومع استمرار البيانات الاقتصادية في تقديم إشارات مختلطة،
وبينما يستعد بنك اليابان لأول رفع فائدة منذ عقود، وبينما تسجل السلع الصناعية مكاسب تاريخية،
قد تكون الأيام المقبلة من أكثر الفترات حساسية للأسواق منذ بداية العقد.
المستثمرون اليوم لا يراقبون مجرد اجتماع للفيدرالي، بل يترقبون حدثاً سيعيد رسم ملامح الأسواق طوال العام المقبل.






















