أسعار الذهب ترتفع مع تراجع الدولار وتزايد رهانات خفض الفائدة الأمريكية
شهدت أسعار الذهب ارتفاعًا ملحوظًا خلال تداولات اليوم الجمعة، مدعومة بتراجع الدولار الأميركي إلى أدنى مستوياته في خمسة أسابيع، مع ترقّب الأسواق لصدور بيانات التضخم الأميركية، والتي ستحدد مسار السياسة النقدية للفيدرالي خلال الفترة المقبلة. ويأتي هذا الارتفاع في ظل توقعات قوية بأن يُقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض أولي للفائدة خلال اجتماع 9–10 ديسمبر، وسط مؤشرات واضحة على تباطؤ سوق العمل الأميركي وتراجع الضغوط التضخمية.
ارتفاع أسعار الذهب بدعم من ضعف الدولار
سجّل سعر الذهب الفوري ارتفاعًا بنسبة 0.4% ليصل إلى 4,226.84 دولارًا للأونصة، بينما ارتفعت العقود الآجلة للذهب لشهر فبراير بنسبة مماثلة لتسجّل 4,257.80 دولارًا للأونصة، وذلك في تمام الساعة 13:15 بتوقيت غرينتش.
ويدعم تراجع الدولار الطلب على الذهب بشكل مباشر، إذ تُصبح أسعار المعدن الأصفر أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، مما يعزز الإقبال عليه كملاذ آمن واستثماري، خاصة في أوقات عدم اليقين الاقتصادي والسياسي. وقد تداول مؤشر الدولار حول أدنى مستوى له في خمسة أسابيع، مع تسعير الأسواق احتمالًا بنسبة 88% لإجراء خفض بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع الفيدرالي المقبل.
هذا التراجع في العملة الأميركية يعكس تصاعد الرهانات على بدء دورة تيسير نقدي جديدة من قبل الفيدرالي، خاصة بعد سلسلة البيانات التي أظهرت ضعفًا في سوق العمل، أبرزها تقرير ADP الذي كشف عن تراجع الوظائف الخاصة بـ32 ألف وظيفة، في أكبر هبوط منذ أكثر من عامين ونصف.
رهانات قوية على خفض الفائدة الأمريكية
تزايدت توقعات خفض الفائدة بشكل سريع خلال الأيام الأخيرة، إذ بات المستثمرون يرون أن الاقتصاد الأميركي يسير نحو تباطؤ تدريجي، مع بروز إشارات واضحة على انخفاض التضخم مقارنة بذروته في 2022. ويترقب المستثمرون اليوم صدور بيانات مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE)، وهو المؤشر المفضل للفيدرالي في قياس التضخم.
ويعد صدور قراءة منخفضة للمؤشر عاملًا محفزًا لتعزيز أسعار الذهب، إذ سيؤكد للأسواق أن الفيدرالي بات يمتلك مساحة كافية لخفض الفائدة دون المخاطرة بعودة التضخم. كما تشمل البيانات المنتظرة مؤشرات الدخل والإنفاق الشخصي، بالإضافة إلى مؤشر ثقة المستهلكين من جامعة ميشيغان وتوقعات التضخم قصيرة وطويلة الأجل.
التوقعات الأساسية في الأسواق تشير إلى أن بيانات التضخم ستواصل التحسن، مما يعزز صورة الذهب كأصل مستفيد من أي تيسير نقدي، خصوصًا في ظل العلاقة العكسية بين أسعار الفائدة وحركة المعدن النفيس.
لماذا يستفيد الذهب من خفض الفائدة؟
من المعروف أن أسعار الذهب ترتبط عكسيًا بمستويات الفائدة، إذ يؤدي خفض الفائدة إلى انخفاض العائد على السندات، مما يدفع المستثمرين نحو الأصول البديلة غير المُدرجة بفائدة، وفي مقدمتها الذهب. كما يساهم ضعف الدولار الناجم عن الفائدة المنخفضة في تعزيز الطلب العالمي على الذهب، بما يزيد من ارتفاعه.
إضافة إلى ذلك، عادة ما ترتفع أسعار الذهب خلال دورات التيسير النقدي لأن المستثمرين يتجهون إليه كأداة تحوط ضد مخاطر التضخم والسياسات النقدية غير المستقرة، فضلاً عن دوره كملاذ آمن في فترات التوتر الجيوسياسي.
بيانات سوق العمل تؤثر مباشرة على توقعات الفيدرالي
شكّلت بيانات ADP التي صدرت قبل يومين ضربة غير متوقعة لتوقعات استمرار قوة الاقتصاد الأميركي، بعد تسجيل أكبر انخفاض في الوظائف الخاصة منذ منتصف 2023. هذا التراجع المفاجئ دفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها لنمو الاقتصاد، ومعها تصوّرها لسياسة الفيدرالي المقبلة.
وتشير البيانات الأخيرة إلى أن سوق العمل لم يعد بالصلابة التي كان عليها خلال العامين الماضيين، وهو ما يتماشى مع هدف الفيدرالي الرامي إلى تهدئة التضخم عبر إبطاء النشاط الاقتصادي ورفع نسب البطالة بشكل محدود.
ترقب عالمي لبيانات التضخم الأمريكية
ينتظر المستثمرون حول العالم صدور بيانات مؤشر PCE كونه العامل الأهم في تحديد اتجاه أسعار الفائدة الأميركية، وبالتالي مستقبل الدولار والذهب وأسواق الأسهم والسندات. ففي حال جاءت قراءة التضخم أقل من المتوقع، قد يستمر الضغط على الدولار، ما سيمنح الذهب قوة إضافية نحو مستويات أعلى قد تتجاوز حاجز 4,300 دولار للأونصة.
أما إذا جاءت البيانات أعلى من التوقعات، فقد تتراجع أسعار الذهب مؤقتًا مع إعادة تسعير احتمال قيام الفيدرالي بخفض أقل أو تأجيله إلى الربع الأول من 2026.
تحركات الفضة والبلاتين وبقية المعادن
لم تقتصر الارتفاعات على الذهب فقط، إذ حققت المعادن الأخرى مكاسب متفاوتة بفعل تراجع الدولار. فقد ارتفعت عقود الفضة بنسبة 1.7% لتصل إلى 58.46 دولارًا، بينما تراجعت عقود البلاتين بنسبة 0.7% مسجلة 1,658.55 دولارًا للأونصة.
وتتأثر الفضة غالبًا بنفس العوامل التي تؤثر على الذهب، لكنها تتسم بقدر أكبر من التقلب بسبب دخولها في العديد من الاستخدامات الصناعية، مما يجعل الطلب عليها حساسًا للتغيرات الاقتصادية.
النحاس يسجّل مستوى قياسيًا جديدًا
في سياق متصل، ارتفعت عقود النحاس في بورصة لندن للمعادن بنسبة 1.6% لتصل إلى مستوى تاريخي يبلغ 11,718.93 دولارًا للطن، وسط مخاوف متزايدة من نقص المعروض العالمي.
ويُعزى هذا الارتفاع الكبير إلى انخفاض مستويات المخزون في مستودعات بورصة لندن إلى أدنى مستوى منذ يوليو، نتيجة الطلب الأميركي القوي وتوقعات بفرض رسوم جمركية على واردات المعادن غير الحديدية في 2026، وهو ما قد يضغط على الإمدادات العالمية.
كما قفزت أسعار النحاس الأميركي بنسبة 1.3% إلى 5.4407 دولارًا للرطل، لتعكس الاتجاه نفسه وتؤكد تصاعد الضغوط على المعروض في الفترة المقبلة.
العوامل الجيوسياسية وتأثيرها على أسعار الذهب
لا يمكن تجاهل الدور المتصاعد للتوترات العالمية على حركة الذهب، إذ رغم أن العامل النقدي هو المسيطر حاليًا، فإن التوترات الجيوسياسية كتلك المرتبطة بأوروبا الشرقية والشرق الأوسط ما تزال تضيف للذهب دعمًا كملاذ آمن.
وغالبًا ما تتفاعل أسعار الذهب بقوة مع أي إشارة لاضطرابات تؤثر على سلاسل الإمداد أو أسعار الطاقة أو الاستقرار المالي، مما يجعل المستثمرين يوسّعون مراكزهم في المعدن الأصفر كتحوّط إضافي.
توقعات أسعار الذهب على المدى القريب
ترتبط حركة الذهب في المدى القريب بنتيجة بيانات التضخم الأميركية وما إذا كان الفيدرالي سيتخذ خطوة خفض الفائدة بالفعل الأسبوع المقبل. وفي حال جاءت البيانات داعمة للتيسير النقدي، فقد تتجه أسعار الذهب نحو نطاق 4,300–4,350 دولارًا للأونصة.
أما إذا جاءت البيانات بعيدة عن توقعات الأسواق، فقد يتعرض الذهب لضغط بيعي محدود نحو مستوى 4,180 دولارًا، قبل أن يعود إلى الاتجاه الصاعد بدعم من الضغوط الأساسية التي تواجه الدولار والفائدة.
ويرى العديد من المحللين أن الذهب ما يزال في مسار صاعد طويل الأجل، خاصة في ظل استمرار البنوك المركزية حول العالم في شراء الذهب كجزء من تعزيز احتياطاتها وتنويع أصولها بعيدًا عن الدولار.
الذهب يستعيد بريقه قبل قرار الفيدرالي
باختصار، تستمد أسعار الذهب قوتها الحالية من تراجع الدولار وتزايد توقعات خفض الفائدة، إلى جانب المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية التي تدفع المستثمرين للبحث عن أصول آمنة. وستحدد البيانات الأميركية المنتظرة اليوم اتجاه الأسواق خلال الأسبوع المقبل، ما يجعل الساعات المقبلة حاسمة في تحديد المسار الفعلي للمعدن الأصفر.
وفي ظل المشهد الحالي، يبقى الذهب مرشحًا لتحقيق مكاسب إضافية في حال أكد الفيدرالي توجهه نحو دورة تيسير جديدة، في وقت تبدو فيه توقعات التضخم تحت السيطرة ومؤشرات النمو في تباطؤ تدريجي.






















