أسعار الذهب ترتفع بدعم من عدم اليقين الاقتصادي مع إعادة فتح الحكومة الأميركية
في استمرارٍ للموجة الصعودية التي يشهدها المعدن الأصفر خلال الأسابيع الأخيرة، سجلت أسعار الذهب ارتفاعًا جديدًا خلال تعاملات الخميس، وسط حالة من عدم اليقين التي ما تزال تخيم على آفاق الاقتصاد الأميركي، رغم إعلان الكونغرس والرئيس الأميركي دونالد ترامب عن إنهاء أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة.
ويبدو أن إعادة فتح المؤسسات الحكومية الأميركية أعادت الأسواق لمرحلة التقاط الأنفاس، لكنها لم تُبدّد المخاوف القائمة بشأن ضعف البيانات الاقتصادية المرتقبة بعد أكثر من 40 يومًا من التوقف شبه الكامل في عدد من الأنشطة الحكومية، وهو ما دفع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة وعلى رأسها الذهب.
مكاسب الذهب تتسارع مع عودة الحكومة للعمل
سجلت العقود الفورية للذهب ارتفاعًا بنسبة 1.1% لتصل إلى 4,242 دولارًا للأونصة، بينما صعدت عقود ديسمبر الآجلة بنسبة 0.8% إلى نحو 4,247 دولارًا. وتتماشى هذه الحركة الإيجابية مع اتجاه صعودي ملحوظ منذ بداية الأسبوع، مدفوعًا بحالة الترقب التي تعيشها الأسواق حول حجم التأثير الفعلي للإغلاق الحكومي على أكبر اقتصاد في العالم.
ويرى محللون أن الارتفاع الأخير في أسعار الذهب يرتبط بشكل وثيق بتوقعات صدور بيانات اقتصادية ضعيفة في الأيام المقبلة، خاصة أن تجميد أنشطة حكومية واسعة، وتأخر إصدار المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، يزيد من ضبابية المشهد أمام المستثمرين.
عدم اليقين الاقتصادي يعزز الطلب على الملاذات الآمنة
مع إعادة فتح الحكومة الأميركية بعد إغلاق دام 43 يومًا، تتجه الأنظار إلى البيانات الاقتصادية التي ستصدر تباعًا في الفترة المقبلة. وتشير تقديرات الحكومة الأميركية إلى أن الإغلاق قد كلّف الاقتصاد ما يقرب من 1.5 تريليون دولار، وهو رقم يعكس حجم الضغط الذي تعرضت له الشركات والأُسر خلال تلك الفترة.
وفي مذكرة بحثية، قالت مجموعة ANZ إن احتمالات ظهور بيانات اقتصادية ضعيفة بعد الإغلاق “كانت من أهم عوامل دعم ارتفاع أسعار الذهب هذا الأسبوع”، مضيفة أن مشتريات البنوك المركزية، ولا سيما في الصين، تواصل لعب دور محوري في إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة.
البنوك المركزية تواصل شراء الذهب لتعزيز احتياطاتها
على الرغم من التقدم النسبي في الثقة الاقتصادية العالمية، تواصل البنوك المركزية — خصوصًا في آسيا — إضافة المزيد من الذهب إلى احتياطاتها. وتشير البيانات الأخيرة إلى أن بنك الشعب الصيني قام بشراء الذهب للشهر الثاني عشر على التوالي خلال سبتمبر، في إشارة قوية إلى استمرار الاتجاه نحو تنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار الأميركي.
وتعكس هذه الوتيرة القوية للشراء رغبة متزايدة لدى الحكومات والمؤسسات المالية في تعزيز مراكزها أمام مخاطر التضخم، وتذبذب أسعار الفائدة، وعدم استقرار أسواق العملات، وهي عوامل تجعل الذهب أحد أهم الملاذات الآمنة خلال المرحلة الحالية.
توقعات الفائدة: الأسواق تقلص رهانات خفض ديسمبر
ورغم ارتفاع أسعار الذهب، شهدت الأسواق المالية تراجعًا في توقعات خفض الفائدة خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في ديسمبر. فبعد أن كانت الأسواق تُسعّر احتمال خفض الفائدة بنسبة تتجاوز 62% قبل أيام، انخفضت هذه النسبة إلى نحو 50.4% فقط، وفق بيانات أداة FedWatch.
لكن هذا التراجع لا يبدو أنه قلّل شهية المستثمرين تجاه الذهب، إذ غالبًا ما يحتفظ المعدن الأصفر بزخمه عندما تتزايد المخاوف بشأن التباطؤ الاقتصادي، حتى وإن كانت توقعات الفائدة غير داعمة بالكامل.
أسعار الفضة والبلاتين تواكب الاتجاه الصعودي
لم تكن أسعار الذهب وحدها التي حققت مكاسب خلال الجلسات الأخيرة، إذ ارتفعت أسعار المعادن الثمينة الأخرى بشكل ملحوظ. فقد صعدت أسعار البلاتين بنسبة 1.2% لتصل إلى 1,650 دولارًا للأونصة، بينما ارتفعت أسعار الفضة إلى 53.96 دولارًا للأونصة بزيادة بلغت 1%.
ويرى محللون أن المكاسب الواسعة في المعادن الثمينة تعكس تحسن المزاج العام في الأسواق، لكن مع درجة عالية من الحذر، خصوصًا في ظل اقتراب الولايات المتحدة من نشر بيانات اقتصادية قد تكون دون التوقعات.
أسعار النحاس ترتفع مع آمال تحسن النشاط الصناعي
على جانب المعادن الصناعية، سجلت أسعار النحاس ارتفاعًا قويًا مدعومًا بتوقعات بتحسن النشاط الصناعي الأميركي بعد إعادة فتح المؤسسات الحكومية. فقد ارتفعت العقود المستقبلية للنحاس في بورصة لندن للمعادن بنسبة 0.6% لتصل إلى 10,975 دولارًا للطن، بينما سجلت عقود COMEX للنحاس نسبة ارتفاع مماثلة.
ويُعد النحاس أحد أهم المؤشرات الرائدة للصحة الاقتصادية العالمية، بالنظر إلى استخدامه الواسع في مجالات البناء، والطاقة، والتكنولوجيا، والبنية التحتية. ومع توقعات إطلاق برامج تحفيز حكومية جديدة في الولايات المتحدة، إلى جانب خطط الصين الاقتصادية الخمسية لدعم الصناعة، يبدو أن الطلب على النحاس قد يشهد دفعة قوية خلال الفترة المقبلة.
الصين… عامل دعم رئيسي في أسواق المعادن
تشير المؤشرات القادمة من بكين إلى استمرار الحكومة الصينية في الاعتماد على السياسات التحفيزية لدعم التصنيع وزيادة الإنتاج المحلي، وهو ما يُعد عنصرًا داعمًا لأسعار النحاس والمعادن الصناعية الأخرى.
وتتوقع الأسواق أن يؤدي هذا الدعم المتواصل من الصين، خصوصًا في ظل التحديات العالمية في سلاسل التوريد، إلى تعزيز الطلب على المواد الخام، وبالتالي إبقاء أسعار العديد من المعادن عند مستويات قوية.
تأثير الإغلاق الحكومي الأميركي على الأسواق العالمية
على الرغم من عودة المؤسسات الحكومية الأميركية للعمل، يرى خبراء الاقتصاد أن تبعات الإغلاق لن تختفي سريعًا. فمن المتوقع أن تُظهر البيانات المقبلة تراجعًا في مؤشرات التوظيف والإنتاج، إضافة إلى ارتفاع معدلات تأخر معاملات الشركات والمستهلكين.
ويعتقد محللون أن الأسواق العالمية ستحتاج إلى عدة أسابيع قبل أن تستوعب بالكامل الآثار الاقتصادية للإغلاق، الأمر الذي يمنح الذهب فرصة لمواصلة الاستفادة من الهروب نحو الأمان.
المشهد العام: الذهب يستعيد دوره الكلاسيكي كملاذ آمن
في ظل حالة عدم اليقين الاقتصادي، وارتفاع التقلبات في أسواق الفائدة، وتراكم المخاطر الجيوسياسية عالميًا، يبدو أن أسعار الذهب قد استعادت بريقها بالنسبة للمستثمرين والمؤسسات على حد سواء.
ومع استمرار مشتريات البنوك المركزية، وتوقعات تزايد تقلبات البيانات الاقتصادية الأميركية خلال الأسابيع المقبلة، يتجه العديد من المستثمرين إلى تعزيز مراكزهم في الذهب، خصوصًا في ظل توقعات بعض البنوك العالمية بارتفاع الأسعار نحو مستويات تاريخية جديدة.
تحليل
على الرغم من إعادة فتح الحكومة الأميركية، فإن حالة الغموض التي تسيطر على آفاق الاقتصاد الأميركي ما تزال تدعم توجه المستثمرين نحو الذهب. وبينما قد تشهد الأسواق بعض التقلبات المرتبطة بتوقعات الفائدة، يبدو أن الاتجاه العام يظل داعمًا للمعدن الأصفر على المدى المتوسط، خاصة في ظل استمرار البنوك المركزية في سياسات شراء الذهب.
وبين الأداء القوي للمعادن الثمينة، وحالة التفاؤل التي تدعم أسعار النحاس، يبقى المشهد العام لأسواق المعادن إيجابيًا، لكن بحذر، إلى أن تتضح الصورة الكاملة لتبعات الإغلاق الحكومي ومرونة الاقتصاد الأميركي في استعادة زخمه.






















