أسعار الذهب تتراجع مع انحسار رهانات خفض الفائدة من الفيدرالي رغم اتجاهها لتحقيق مكاسب أسبوعية
شهدت أسعار الذهب تراجعًا ملحوظًا في تعاملات الجمعة، بعد موجة صعود قوية خلال الأسبوع أعادت المعدن النفيس فوق مستوى 4000 دولار للأونصة،
في وقت أعاد فيه المستثمرون تسعير توقعاتهم حيال مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأميركي واحتمالات خفض الفائدة في اجتماع ديسمبر المقبل.
ورغم هذا التراجع اليومي، ما زال الذهب في طريقه لتسجيل أول مكسب أسبوعي له منذ نحو أربعة أسابيع، بدعم من استمرار حالة عدم اليقين
المحيطة بالاقتصاد الأميركي بعد أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة، والجدل القانوني المتصاعد بشأن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب.
ضغوط على الذهب مع تراجع رهانات خفض الفائدة الأميركية
بحسب بيانات السوق، تراجع سعر الذهب الفوري في منتصف جلسة الجمعة بنحو 1.4% إلى ما يقرب من 4112 دولارًا للأونصة،
بينما هبطت العقود الآجلة للذهب تسليم ديسمبر بنحو 1.9% إلى حوالي 4114 دولارًا للأونصة.
ويأتي هذا التراجع بعد أيام قليلة من تحركات صعودية قوية، دفع خلالها الطلب الاستثماري على المعدن الأصفر الأسعار لاختبار مستويات جديدة فوق حاجز 4000 دولار.
العامل الرئيسي وراء هذا التراجع هو تراجع رهانات المستثمرين على أن يقدم الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة في اجتماعه القادم في ديسمبر.
فبعد أن كانت الأسواق تسعر قبل أيام احتمالية خفض بمقدار 25 نقطة أساس بأكثر من 67%، تشير أحدث بيانات أداة
CME FedWatch إلى أن الاحتمال تراجع إلى نحو 50% فقط.
هذا التعديل في التسعير يعني أن شريحة واسعة من المستثمرين بدأت تُقر بأن الفيدرالي قد يفضل الإبقاء على السياسة النقدية مشددة لفترة أطول،
وهو ما يضغط عادة على الأصول غير المدرة للعائد مثل الذهب لصالح الدولار الأميركي وعوائد السندات.
نبرة متشددة من مسؤولي الفيدرالي تزيد الضغوط على الذهب
جاءت هذه المراجعة في توقعات السوق بعد تصريحات متشددة من عدة أعضاء في الاحتياطي الفيدرالي.
فقد أشار نيل كاشكاري، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، إلى أنه كان يعارض خفض الفائدة في الاجتماع السابق،
وأنه ما زال “على الحياد” بالنسبة لاجتماع ديسمبر، في إشارة إلى أن بيانات التضخم والنشاط الاقتصادي لم تمنحه بعد الثقة الكافية للانتقال السريع نحو دورة تيسير نقدي قوية.
في السياق نفسه، عبّر ألبرتو موسالم، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس، وبيث هاماك، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند،
عن مخاوف من أن يؤدي خفض الفائدة مبكرًا إلى جعل السياسة النقدية “متساهلة أكثر من اللازم” في وقت ما زالت فيه الضغوط التضخمية عند مستويات أعلى من المستهدف.
هذه الإشارات المتشددة تلعب دورًا مباشرًا في تغيير شهية المخاطرة لدى المستثمرين، وتدفع بعض حيازات الذهب إلى التراجع لصالح الأصول الدولارية.
الإغلاق الحكومي يربك قراءة الفيدرالي للبيانات الاقتصادية
ما يعقد الصورة أمام صناع السياسة النقدية في واشنطن هو أن الإغلاق الحكومي الذي استمر قرابة 43 يومًا
أدى إلى تعطيل إصدار العديد من البيانات الاقتصادية المهمة التي يعتمد عليها الفيدرالي في تقييمه لحالة الاقتصاد،
مثل بيانات التضخم بالتفصيل، والتوظيف، والإنفاق الاستهلاكي، ومؤشرات النشاط الصناعي والخدمي.
ورغم أن الحكومة الأميركية أنهت الإغلاق وعادت إلى العمل، إلا أن المحللين يشيرون إلى أن “إعادة التشغيل” البيروقراطي قد تستغرق أيامًا أو أسابيع
قبل أن تعود البيانات إلى مسارها الطبيعي، مع احتمال ظهور “تشوهات” في الأرقام بسبب التأثيرات المباشرة وغير المباشرة للإغلاق على النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وبحسب مذكرة بحثية صادرة عن محللي بنك ANZ، فإن هذا التأخير في البيانات قد يدفع أعضاء الفيدرالي إلى قدر أكبر من الحذر،
وربما الميل إلى تأجيل الخفض إلى ما بعد ديسمبر إلى حين تكوّن صورة أوضح عن مسار النمو والتضخم وسوق العمل.
رغم التراجع اليومي… الذهب في طريقه لأول مكاسب أسبوعية منذ شهر
على الرغم من ضغوط جلسة الجمعة، بقيت أسعار الذهب في المنطقة الإيجابية على أساس أسبوعي،
إذ تشير بيانات السوق إلى ارتفاع المعدن بنحو 3% منذ بداية الأسبوع.
هذا الأداء الأسبوعي يعكس تحسن الطلب على الذهب كملاذ آمن في ظل تنامي المخاوف بشأن قوة الاقتصاد الأميركي
واستدامة الزخم في أسواق الأسهم، إضافة إلى المخاطر السياسية والقانونية المحيطة بسياسات الرسوم الجمركية.
عودة الذهب إلى التداول فوق مستوى 4000 دولار للأونصة تُعد إشارة مهمة لعدد كبير من المتعاملين،
إذ ينظر البعض إلى هذه المنطقة السعرية كـ“منطقة توازن جديدة” تعكس مزيجًا من التضخم المرتفع نسبيًا،
وأسعار الفائدة الحقيقية التي لم تعد سلبية كما كانت قبل سنوات، وبين الطلب الاستثماري المستمر من البنوك المركزية وصناديق الاستثمار
التي تبحث عن تنويع محافظها بعيدًا عن الأصول الدولارية الخالصة.
الرسوم الجمركية والجدل القانوني يضيفان طبقة جديدة من عدم اليقين
في موازاة ذلك، يراقب المستثمرون ملف الرسوم الجمركية الأميركية التي فرضتها إدارة الرئيس دونالد ترامب على مجموعة واسعة من الواردات،
والذي بات أمام اختبار قانوني حاسم في المحكمة العليا الأميركية. فمع تراكم القضايا المرفوعة من شركات ومؤسسات متضررة من تلك الرسوم،
أصبحت هناك حالة من الغموض بشأن ما إذا كانت المحكمة ستعتبر هذه السياسات متوافقة مع الدستور والقوانين التجارية،
أم ستفتح الباب أمام إلغائها جزئيًا أو كليًا.
الرئيس ترامب نفسه أقرّ في منشور على منصة Truth Social أن الحكومة قد تضطر نظريًا إلى رد ما يزيد عن تريليوني دولار
من إيرادات الرسوم الجمركية والاستثمارات المرتبطة بها حال رأت المحكمة العليا أن تلك الرسوم غير قانونية.
مثل هذا السيناريو، إن تحقق، قد يكون له آثار عميقة على المالية العامة الأميركية، وعلى ثقة المستثمرين في استدامة مسار السياسة التجارية الأميركية
خلال السنوات المقبلة.
بالنسبة لأسواق الذهب، فإن هذا القدر من عدم اليقين يعزز في العادة الطلب على الملاذات الآمنة،
إذ يميل المستثمرون في أوقات الضبابية القانونية والسياسية إلى زيادة حيازاتهم من الأصول الملموسة
التي لا تعتمد قيمتها بالكامل على سياسات الحكومات أو وضع الميزانية الفيدرالية.
ومع ذلك، فإن تأثير هذه العوامل قد يتداخل مع قوة الدولار وحركة عوائد السندات،
ما يجعل مسار أسعار الذهب في الأجل القصير رهينة لتوازن دقيق بين هذه القوى المتضاربة.
الفضة والبلاتين: تراجع يومي ومكاسب أسبوعية قوية
لم يكن الذهب وحده في دائرة التقلبات؛ إذ شهدت بقية المعادن النفيسة تحركات لافتة خلال الأسبوع.
فقد تراجع سعر البلاتين الفوري في جلسة الجمعة بنحو 3.9% ليحوم حول 1550 دولارًا للأونصة تقريبًا،
بينما انخفضت الفضة الفورية بنسبة تقارب 3.2% لتتداول قرب مستوى 51.45 دولارًا للأونصة.
وبرغم هذا التراجع اليومي، تبقى الصورة الأسبوعية أكثر إيجابية.
الفضة على وجه الخصوص كانت من أبرز الرابحين، إذ سجلت مكاسب أسبوعية تقارب 7%،
لتقترب من المستويات القياسية التي لامستها في أكتوبر الماضي.
هذا الأداء القوي يعكس طبيعة الفضة الهجينة كأصل يجمع بين خصائص الملاذ الآمن مثل الذهب،
وخصائص المعدن الصناعي المرتبط بدورات النشاط الاقتصادي والقطاعات الحديثة مثل الطاقة الشمسية والتكنولوجيا الخضراء.
وبالتالي، فإن أي إشارات تحسّن في توقعات الطلب الصناعي، إلى جانب حالة عدم اليقين المالي والنقدي، قد تدعم استمرار زخم الفضة مقارنة بباقي المعادن.
ما الذي يعنيه هذا المشهد للمستثمرين في الذهب؟
يعكس المشهد الحالي مزيجًا معقدًا من العوامل المتناقضة التي تحرك أسعار الذهب:
من ناحية، تضغط توقعات تأجيل خفض الفائدة وارتفاع العوائد الحقيقية نسبياً على جاذبية الذهب،
ومن ناحية أخرى، تدعم حالة عدم اليقين السياسي والقانوني، إلى جانب مخاطر تباطؤ الاقتصاد الأميركي بعد الإغلاق الحكومي الطويل،
الطلب على الأصول الآمنة.
بالنسبة للمستثمرين متوسطـي وطويلـي الأجل، قد تُفسَّر العودة فوق مستوى 4000 دولار للأونصة،
ثم التماسك النسبي في نهاية الأسبوع، على أنها إشارة إلى استمرار اهتمام رؤوس الأموال المؤسسية بالذهب ضمن استراتيجيات التحوط.
لكن في الأجل القصير، سيظل الذهب حساسًا للغاية لأي مفاجآت في تصريحات مسؤولي الفيدرالي أو البيانات الاقتصادية التي ستبدأ في الصدور بالتتابع
بعد استئناف عمل المؤسسات الحكومية.
كما أن متابعة تطورات ملف الرسوم الجمركية أمام المحكمة العليا ستصبح عنصرًا مهمًا في تسعير المخاطر الأميركية.
فإذا تصاعدت احتمالات صدور حكم يقوّض جزءًا كبيرًا من تلك السياسات، فقد يؤدي ذلك إلى ضغوط على الدولار والأسواق المالية الأميركية،
وبالتالي إلى دعم إضافي لأسعار الذهب والفضة.
أما إذا جاء الحكم داعمًا لسياسات الإدارة، فقد يُنظر إليه كعامل استقرار نسبي على المدى القصير، مع بقاء المخاطر التجارية العالمية قائمة.
توازن هش بين تشدد الفيدرالي وجاذبية الملاذات الآمنة
في المجمل، يمكن القول إن تراجع أسعار الذهب في جلسة الجمعة يعكس جانبًا من إعادة تسعير توقعات الفائدة الأميركية،
أكثر مما يعكس تغييرًا جذريًا في نظرة السوق إلى المعدن النفيس كملاذ آمن.
فالمعدن لا يزال يتجه لتحقيق مكاسب أسبوعية واضحة بعد أسابيع من الضغوط البيعية، مدعومًا بمزيج من العوامل:
إغلاق حكومي طويل ترك بصمته على البيانات والنشاط الاقتصادي، جدل قانوني واسع حول الرسوم الجمركية،
ومخاوف من أن يكون الاقتصاد الأميركي أقل متانة مما توحي به المؤشرات السطحية.
خلال الأسابيع المقبلة، ستكون أعين المستثمرين شاخصة إلى مسارين رئيسيين:
الأول هو مسار البيانات الاقتصادية الأميركية وقدرتها على طمأنة أو إرباك الفيدرالي بشأن التضخم والنمو،
والثاني هو التطورات القانونية والسياسية التي قد تعيد صياغة جزء من السياسات التجارية التي تبنتها الإدارة الأميركية خلال السنوات الأخيرة.
وبين هذين المسارين، سيظل الذهب والفضة والبلاتين في قلب معادلة التوازن بين المخاطرة والتحوط، مع قابلية عالية للاستجابة لأي مفاجآت
على صعيد الفائدة أو الأسواق أو السياسة.
تنبيه مهم: لا تُعد هذه المادة توصية استثمارية مباشرة في أي أصل أو أداة مالية، وإنما هي تحليل عام لحركة الأسعار والعوامل المؤثرة عليها،
ويُنصح المستثمرون دائمًا بمراجعة مستشاريهم الماليين قبل اتخاذ أي قرارات استثمارية.




















